هزاع المطيري.. حين يعلو الخُلُق فوق البروتوكول

في زمن تراجعت فيه القيم تحت وطأة المصالح، وتكاثرت فيه الوجوه حتى غابت الملامح، يطل رجل من طراز نادر، لا يقاس حضوره بضجيج المنابر ولا بعدد الصور، بل بعمق الأثر واتساع الإنسانية التي يحملها في قلبه أينما حل وارتحل. ذلك هو السفير السعودي السابق في موريتانيا الدكتور هزاع المطيري، الرجل الذي لم يكن مجرد ممثل لدولة، بل كان صورة حية لمعنى الدولة حين تتجسد أخلاقا، وقيما، وصدقا في التعامل مع الناس. فمنذ لحظة اعتماده عام 2016 وحتى انتهاء مهمته في 2021، لم يكن حضوره عابرا ولا بروتوكوليا، بل كان حضورا مؤسسا، يكتب أثره في النفوس قبل السجلات، ويغرس معاني الاحترام قبل الاتفاقيات.
لقد كان رجل الإنسانية قبل كل شيء، إنسانا يرى في الآخر أخا قبل أن يراه مخاطبا، ويستشعر في اللقاء مسؤولية أخلاقية قبل أن يكون واجبا وظيفيا. لم يكن يحتاج إلى كثير خطاب ليقنع، لأن الصدق الذي يسكن ملامحه كان أبلغ من كل البلاغة، ولأن التواضع الذي يتجلى في سلوكه كان يفتح القلوب قبل الأبواب. كان إذا حضر، حضر بوجه بشوش يختصر المسافات، وابتسامة صادقة تعيد تعريف الدبلوماسية على أنها فن القرب لا فن البعد، وفن البناء لا فن المناورة. وهنا يكمن سره: لم يكن يمارس الدبلوماسية بوصفها وظيفة، بل كان يعيشها كقيمة.
وفي ميدان السياسة، كان رجل الحلم الذي لا يساوم على المبادئ، ورجل الجد الذي يعرف أن الوقت أمانة، وأن الإنجاز لا يقاس بالكلام بل بما يتركه من أثر ملموس. جمع بين المهنية العالية والبصيرة العميقة، فكان يعرف متى يتحدث ومتى يصمت، ومتى يقدم ومتى يؤخر، دون أن يفقد بوصلته الأخلاقية. كان سياسيا مخضرما، لكنه لم يسمح للخبرة أن تطفئ فيه حرارة الإنسان، ولا للمنصب أن يسرق منه بساطته. ولذلك كان آسرا في حديثه، في طرحه، في حضوره، حتى إنك إذا جلست إليه شعرت أنك أمام مدرسة قائمة بذاتها، تتعلم منها كيف تكون كبيرا دون أن تتكبر، وكيف تكون قويا دون أن تقسو.
أما على الصعيد الاجتماعي والأدبي، فقد كان خليطا فريدا من الرقي والذوق، يلامس الناس بلغتهم، ويخاطبهم بما يفهمون، دون تصنع أو تكلف. كان قريبا من الجميع، يشاركهم أفراحهم وأتراحهم، ويجعل من حضوره جسرا حقيقيا بين القلوب قبل أن يكون بين الدول. ولم يكن مستغربا أن يصبح اسمه محفورا في ذاكرة كل من التقاه؛ لأن بعض الرجال لا ينسون، لا لأنهم سعوا لذلك، بل لأن أثرهم أصدق من أن يمحى. لقد كان نموذجا يرى فيه وجه المملكة العربية السعودية في أجمل صوره، حتى إن من يستمع إليه أو يراه لا يملك إلا أن يحب تلك الأرض التي أنجبته، وهي أهل لكل حب.
واليوم، وهو يرقد على سرير الشفاء في أحد مستشفيات العاصمة الرياض، يعود ذلك الرجل الكبير ليعلمنا درسا آخر، درسا في هشاشة الجسد وقوة الروح، وفي أن العطاء الحقيقي لا يضيع، بل يتحول دعاء صادقا في صدور الناس. إننا نرفع أكف الضراعة إلى الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، أن يشفيه شفاء لا يغادر سقما، وأن يلبسه لباس الصحة والعافية، وأن يرده إلى أهله ومحبيه سالما معافى، كما عهدناه قويا في حضوره، حاضرا في إنسانيته.
وخلاصة القول، أن من عرف هزاع المطيري لا يمكن أن ينساه، لأن النسيان لا يطال ما كتب في القلوب، ومن عرفه لا يمكن أن يكره المملكة، لأن الرجل كان مرآة صادقة لأخلاقها وقيمها. إنها حكاية رجل في زمن قل فيه الرجال، رجل اختصر الدبلوماسية في إنسان، واختصر الإنسان في أثر لا يزول.
محمد سالم المختار الشيخ
نواكشوط/موريتانيا




