من النشل إلى القتل.. كيف غيرت المخدرات وجه الجريمة؟

الجريمة حين تتحول من حالات معزولة إلى ظاهرة يومية، فذلك يعني أن المجتمع يقف أمام خطر حقيقي لا أمام مجرد أخبار عابرة. وما يحدث اليوم في موريتانيا من تصاعد لجرائم القتل، والنشل، والاغتصاب، والسطو، لم يعد أمرا يمكن تفسيره بالفقر وحده، ولا بالبطالة وحدها، ولا حتى بضعف الوازع الأخلاقي فقط، بل إن المتابعين يجمعون على أن المخدرات وحبوب الهلوسة أصبحت الوقود الأساسي لهذا الانفلات الخطير، والكارثة الأكبر أن أغلب المتورطين فيها من صغار السن، ممن يفترض أنهم مستقبل البلد لا وقود خرابها.
لقد تغير وجه الجريمة بشكل مخيف. في الماضي، كان المجرم ـ مهما بلغت جرأته ـ يخشى الأسرة، ويخاف المجتمع، ويرتعد من الأمن، بل إن مجرد التفكير في السجن كان كافيا لردعه. أما اليوم، فقد سقطت أغلب الحواجز النفسية والأخلاقية لدى كثير من متعاطي تلك السموم، فأصبح هم بعضهم الوحيد الحصول على المال بأي وسيلة، وفي وضح النهار، دون خوف من قانون أو مجتمع أو حتى مصير مجهول. والملاحظ أن كثيرا من الجرائم الأخيرة تحمل بصمة واضحة لتعاطي المخدرات وحبوب الهلوسة، لأنها تخلق إنسانا فاقدا للوعي، عديم الرحمة، مستعدا لارتكاب أبشع الجرائم من أجل جرعة جديدة.
ومن الإنصاف القول إن القوات الأمنية بمختلف تشكيلاتها، وخاصة الشرطة والدرك والجمارك، تقوم بجهود كبيرة ومعتبرة في مواجهة هذه الآفة، وتحقق بشكل مستمر عمليات ضبط وتفكيك لشبكات التهريب والترويج، لكن الحقيقة الصادمة أن الجريمة ما تزال في تزايد، والمجرمين أصبحوا أكثر جرأة من أي وقت مضى. وهذا يعني أن المواجهة الحالية، رغم أهميتها، تحتاج إلى أدوات أكثر ردعا، وأكثر صرامة، وأكثر قدرة على بث الخوف في نفوس من يحولون المجتمع إلى ساحة رعب يومي.
لقد أثبتت تجارب دول عديدة أن مواجهة المخدرات لا تنجح بالخطابات وحدها، بل بسياسة الردع القاسي والمتابعة الصارمة والتشهير بالمجرمين وكشفهم أمام الرأي العام. ففي الولايات المتحدة الأمريكية مثلا، تعرض برامج تلفزيونية شهيرة مثل “شرطة الحدود” و“أمن المطارات” و“السجون” تفاصيل القبض على المهربين والمجرمين بالصوت والصورة، دون تلميع ولا إخفاء للحقائق، فيشاهد الناس كيف تنتهي حياة المجرم بين القيود والمحاكم والزنازين. وفي البرازيل والسلفادور، اتجهت السلطات إلى القبضة الحديدية ضد العصابات، حتى أصبحت صور المجرمين وهم مكبلون ومهانين رسالة ردع يومية لكل من يفكر في السير في هذا الطريق. أما كولومبيا وبيرو فقد خاضتا حربا طويلة ضد كارتلات المخدرات، واضطرتا إلى تشديد العقوبات وملاحقة شبكات التهريب بلا هوادة، لأن التساهل مع هذه السموم يعني ببساطة تسليم المجتمع للموت البطيء.
وفي إسبانيا، ورغم اختلاف القوانين، فإن السلطات تعتمد بشكل واسع على نشر صور وبيانات المطلوبين أمنيا، والاستفادة من الإعلام في ملاحقة المجرمين وفضحهم، لأن الرأي العام حين يكون شريكا في المواجهة تصبح مهمة المجرم أكثر صعوبة. وهنا تبرز فكرة جديرة بالنقاش في موريتانيا، وهي السماح ـ في حدود القانون ـ للقنوات والبرامج الأمنية بتغطية عمليات القبض على المجرمين ومهربي المخدرات، وعرض قصصهم للرأي العام، حتى يدرك الشباب أن نهاية هذا الطريق ليست البطولة الوهمية، بل السجن والفضيحة والدمار.
إن عرض المجرمين دون إخفاء وجوههم ـ إذا كان ذلك لا يتعارض مع القانون الوطني وضمانات العدالة ـ قد يكون سلاحا نفسيا فعالا جدا. فالمجرم الذي لا يخاف السجن، قد يخاف الفضيحة أمام أهله وحيه وأصدقائه. والذي استهان بالقانون، ربما يتراجع حين يعلم أن صورته ستصبح عبرة للناس جميعا. فالتشهير بالمجرمين في بعض الدول لم يكن هدفه الانتقام، بل صناعة ردع اجتماعي يسبق وقوع الجريمة نفسها.
أما مهربو المخدرات وحبوب الهلوسة، فهؤلاء لا ينبغي النظر إليهم كتجار عاديين، بل كأعداء حقيقيين للمجتمع، لأنهم يدمرون جيلا كاملا مقابل المال. وهنا تبرز تجربة المملكة العربية السعودية التي تتعامل بصرامة شديدة مع جرائم التهريب والترويج، حيث تصل العقوبة إلى الإعدام في بعض القضايا الكبرى المتعلقة بتهريب المخدرات، ويتم تنفيذ الأحكام دون اعتبار لنفوذ أو مال أو مكانة اجتماعية. والرسالة هناك واضحة: أمن المجتمع فوق الجميع، ومن يعبث بعقول الشباب يواجه أقسى العقوبات.
ومع ذلك، فإن الحل لا يمكن أن يكون أمنيا فقط، لأن المعركة أعمق من مجرد مطاردة مجرمين. إنها معركة وعي أيضا. فحين ينهار دور الأسرة، ويتراجع دور المدرسة، ويغيب الخطاب الديني والتربوي المؤثر، تصبح الشوارع مفتوحة أمام تجار السموم لصناعة جيل ضائع. لذلك لا بد من حملة وطنية شاملة: أمنية، وتربوية، وإعلامية، ودينية، ونفسية، تعيد بناء الخوف من الجريمة، وتعيد للمجتمع هيبته، وللقانون مكانته.
إن أخطر ما يمكن أن تصل إليه أي دولة ليس ارتفاع عدد الجرائم فقط، بل اعتياد الناس عليها وكأنها قدر يومي لا مفر منه. وحين يصبح القتل خبرا عاديا، والنشل مشهدا متكررا، والاغتصاب حادثة تتكرر بلا صدمة مجتمعية كبرى، فذلك يعني أن الخطر لم يعد على الأمن وحده، بل على روح المجتمع نفسها. ولهذا فإن مواجهة المخدرات وحبوب الهلوسة اليوم ليست خيارا، بل معركة مصيرية من أجل حماية ما تبقى من أمن الشباب ومستقبل الوطن.
محمد سالم المختار الشيخ
نواكشوط|موريتانيا





