السعودية.. حين يُزفّ العامل كأنه أحد الأمراء “فيديو”

في عالم تتغير فيه الطباع سريعا، وتبهت فيه كثير من القيم تحت زحام الحياة والمصالح، تبقى المملكة العربية السعودية واحدة من تلك البلاد التي ما زالت تحتفظ بروحها الأصيلة؛ روح الكرم والشهامة والنبل العربي الذي لم تصنعه الكاميرات ولا حملات العلاقات العامة، بل صنعه التاريخ، وربته الصحراء، وحفظته البيوت والقبائل جيلا بعد جيل. ولهذا، فإن كل من يزور السعودية بعين منصفة، سرعان ما يكتشف أن الحديث عن كرم السعوديين ليس مبالغة إعلامية، بل حقيقة يلمسها الإنسان منذ اللحظة الأولى لوصوله.
فالإنسان هناك لا يستقبل على أساس جنسيته أو لونه أو طبقته الاجتماعية، وإنما على أساس أنه “ضيف”، والضيف في الثقافة السعودية له مكانة تكاد تلامس القداسة الاجتماعية. ولهذا ترى السعودي يفتح قلبه وبيته قبل أن يفتح بابه، ويحرص على إكرام القادم إليه مهما كانت ديانته أو لغته أو بلده، ما دام قد حل عليه ضيفا في أرضه. أما المسلم القادم إلى مكة المكرمة أو المدينة المنورة، فإنه يشعر بشيء مختلف تماما؛ يشعر وكأنه بين أهله وذويه، حيث الترحاب الصادق، والوجوه البشوشة، والخدمة التي تقدم بمحبة لا بتكلف، حتى يكاد الزائر ينسى أنه غريب عن المكان.
ومن يعرف المجتمع السعودي عن قرب، يدرك أن الكرم هناك ليس مناسبة عابرة، بل أسلوب حياة متجذر في التفاصيل اليومية. ففي الدعوات التي تقام في المزارع أو الاستراحات أو قاعات الأفراح، لا يرى الإنسان مجرد موائد طعام، بل يرى ثقافة كاملة عنوانها السخاء وحسن الضيافة. ألوان الطعام تمتد بلا حساب، والمشروبات والقهوة العربية والبخور والعطور تحيط بالمكان، والضيف يعامل وكأنه صاحب المناسبة نفسه. والأجمل من كل ذلك أن هذا الإكرام لا يفرق بين غني وفقير، ولا بين أمير وعامل بسيط، ولا بين سعودي وأجنبي، فالجميع أمام الكرم سواء.
ولعل أجمل ما يظهر معدن هذا الشعب الأصيل، تلك المواقف الإنسانية التي تخرج بعفويتها الصادقة بعيدا عن التصنع. فقد تداول الناس خلال الأيام الماضية مقطعا مؤثرا على منصات التواصل الاجتماعي، ظهر فيه احتفاء أسرة سعودية بعامل بنغالي يعمل لديها، ربما كان سائقا أو راعيا أو عاملا في مزرعة، وذلك بمناسبة زواجه. غير أن ما جعل المشهد حديث الناس، ليس الزواج بحد ذاته، وإنما الطريقة التي احتفي بها بذلك العامل البسيط، حتى بدا وكأنه أمير في ليلة من ليالي الفرح الكبرى.
فقد أُقيم له حفل ضخم في قاعة كبيرة، وجهزت له سيارات فاخرة، وفتحت الدعوات للجميع من سعوديين وبنغاليين وغيرهم، وتعالت روائح البخور، وازدانت الموائد بما لذ وطاب، فيما كان العريس البنغالي يرتدي أفخم زي سعودي وينزل من السيارة وسط استقبال مهيب عند بوابة القاعة. والمشهد الأكثر تأثيرا أن أصحاب المنزل أنفسهم كانوا يقفون لاستقباله والترحيب به، وكأنهم هم الضيوف وهو صاحب المكان والمقام الرفيع. لم يكن الأمر استعراضا ولا بحثا عن شهرة، بل كان فرحا حقيقيا نابعا من قلوب اعتادت أن ترى في إسعاد الآخرين نوعا من المروءة والوفاء.
ولم تتوقف الصورة عند حدود الاحتفال فقط، بل امتدت إلى مشاعر الناس من حوله؛ إذ شارك أفراد الأسرة ومعارفهم وأصدقاؤهم فرحة ذلك العامل البسيط، وأغدقوا عليه الهدايا والعطايا والدعوات الطيبة، حتى تحول يوم زواجه إلى ذكرى استثنائية لن ينساها ما حيي. وهنا تتجلى حقيقة المجتمع السعودي؛ مجتمع يرى الإنسان بإنسانيته قبل أي اعتبار آخر، ويؤمن أن الكلمة الطيبة والاحتفاء بالآخر جزء من القيم التي لا ينبغي أن تغيب مهما تبدلت الظروف.
ومن المؤسف أن بعض الأعمال “الفنية” أو الحملات “الإعلامية” حاولت في فترات مختلفة تقديم صورة مشوهة عن المجتمع السعودي، كما حدث مع فيلم “حياة الماعز” الذي سعى إلى ترسيخ صورة قاسية ومجتزأة عن الواقع. غير أن الحقيقة على الأرض كانت دائما أقوى من أي رواية مصطنعة، لأن ملايين الزوار والمقيمين الذين عاشوا في السعودية أو مروا بها، عادوا وهم يحملون قصصا مختلفة تماما؛ قصصا عن الكرم، والإنسانية، والتواضع، وحسن المعاملة.
لقد من الله على السعودية بالأمن والرخاء والتطور، بفضل قيادة رشيدة سعت إلى بناء الإنسان قبل البنيان، لكن الأجمل من كل ذلك أن هذا الازدهار لم ينتزع من السعوديين بساطتهم ولا نخوتهم العربية الأصيلة. فما زال السعودي، مهما بلغ من الرفاهية، يحمل داخله روح البدوي الكريم الذي يأنف أن يخرج الضيف من عنده إلا وهو مكرم الخاطر، ممتلئ القلب بالمحبة والامتنان.
ولهذا ستبقى السعودية، في نظر كثير ممن عرفوها عن قرب، أكثر من مجرد دولة حديثة ومتطورة؛ ستبقى أرضا يعيش فيها الكرم كقيمة يومية، وتبقى فيها الشهامة أسلوب تعامل، وتظل فيها الأصالة حاضرة في وجوه الناس وقلوبهم قبل كلماتهم. ومن يشاهد تلك المواقف الإنسانية الصادقة، يدرك أن ما يميز هذا الشعب ليس المال ولا المظاهر، وإنما ذلك القلب الكبير الذي ما زال ينبض بالخير كما كان منذ زمن الآباء والأجداد وحتى اليوم.
وفي الختام، فإن الحديث عن كرم الشعب السعودي لا يمكن أن تختصره الكلمات ولا المقالات، لأن المواقف الإنسانية الصادقة تبقى أبلغ من أي وصف. وما قصة احتفاء الأسرة السعودية بالعامل البنغالي إلا صورة واحدة من صور كثيرة تؤكد أن الأصالة ما زالت حية في هذا المجتمع الكريم، قيادة وشعبا، وأن الشهامة والتواضع وحسن المعاملة ليست شعارات ترفع، بل أخلاق تمارس على أرض الواقع كل يوم.
ولمن أراد أن يرى بعينه جانبا من هذا الكرم الإنساني النبيل، ندعوكم إلى مشاهدة فيديو حفل زواج العامل البنغالي على قناة الحدث ميديا على الرابط التالي:



