الكاتب السعودي المبدع مرزوق بن علي الزهراني يكتب: غياب متى وضياع ليت

تجمعني بـ”متى” علاقة لا ترى بقدر ما تحس، وتلازمني في كثير من الأحيان رفيقتها القديمة “ليت”. فـ”متى” تفتح أمامي أبواب الغد، وتدفعني نحو ما أرجوه وأنتظره، بينما تأخذني “ليت” إلى الخلف، حيث تقف الأشياء التي تمنيت لو أنها جرت على نحو مختلف. وبين “متى” و”ليت” يمضي العمر متأرجحا بين رجاء المستقبل وحنين الماضي.

كثيرا ما أستند إلى “متى” وأنا أطل على الغد، وأتشبث بـ”ليت” وأنا أستعيد ما مضى. فأقول لـ”متى”: متى تستقيم الطرق، ومتى نجاوز ما كبل خطواتنا طويلا؟ وأهمس لـ”ليت”: ليت بعض اللحظات طال بقاؤها، وليت بعض الوجوه لم ترحل سريعا، وليت بعض الفرص لم تأت في الوقت الذي لم نكن فيه مستعدين لها.

ومع إدراكي أن “ليت” لا تغير ما كان، وأن “متى” لا تعجل ما لم يحن أوانه، إلا أنني أجد فيهما معا ما يشبه الرفقة التي لا تغادر. واحدة تسكن الذاكرة، والأخرى تسكن الانتظار. وبين ذاكرة تتمنى وانتظار يرجو، تمضي الحياة مثقلة بأسئلة لا تهدأ وأمنيات لا تكتمل. غير أن الزمن لا يقف طويلا عند رغباتنا، حتى يخفت صوت “متى” شيئا فشيئا، وتتوارى “ليت” خلف طبقات من الصمت. وعندها ندرك أن بعض الأسئلة لا تخلق لتجاب، وأن بعض الأمنيات لا تصاغ لتتحقق، بل لترافقنا في الطريق فحسب. فالزمن لا يعيد ما أخذ، لكنه يترك فينا أثره، ولا يستدرك ما فات، لكنه يعلمنا كيف نمضي رغم الفقد.

فما أقسى أن تغيب “متى” حين نحتاج إلى يقين يطمئن ارتباكنا، وأن تضيع “ليت” حين نبحث عن ظل يخفف وطأة ما انقضى. فقد كانت “متى” نافذة مفتوحة على احتمال قادم، وكانت “ليت” مرآة صامتة لوجه ما كان يمكن أن يكون. فإذا انطفأت النافذة وتكسرت المرآة، لم يعد الحنين قادرا على ترتيب صورته، ولم يعد الانتظار قادرا على تبرير صمته.

ولا مندوحة من القول إن العمر ليس إلا مساحة معلقة بين أمنية لا تكتمل وذكرى لا تغيب. كأنه لا يعيش زمنا واحدا، بل زمنين يتنازعانه بصمت: زمن لم يأت بعد، وزمن لم يغادره تماما.

وحين يهدأ هذا الصراع الخفي بين “متى” و”ليت”، لا يعود الإنسان بحاجة إلى كثرة الأسئلة بقدر حاجته إلى فهم أعمق للصمت. فبعض ما نظنه نقصا في الإجابة ليس إلا امتلاء في المعنى، وبعض ما نراه تأخرا في القدوم ليس إلا ترتيبا خفيا لما لا نراه.

فليس العمر إلا هذا التردد الهادئ بين ما كنا نظنه ممكنا وما لم يعد كذلك، وبين ما ننتظره بصبر مثقل وما نتذكره بحنين لا يهدأ. وهناك، في تلك المسافة الدقيقة بين الرجاء والذكرى، نفهم أن “متى” ليست موعدا فقط، وأن “ليت” ليست ندما فقط، بل هما صورتان لوعي الإنسان حين يقف بين ما لا يعود وما لم يأت بعد… وبينهما يتشكل معنى الحياة، كما هي: ناقصة بما يكفي لتكتب، وكاملة بما يكفي لتفهم.

بقلم: مرزوق بن علي الزهراني

مرزوق بن علي الزهراني 🇸🇦

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى