لا تقل للجمل: “أح”، وعينه أكبر من عينك/مرزوق بن علي الزهراني 🇸🇦

من أكثر ما يرهق العلاقات الإنسانية ذلك الشخص الذي يحمل النصح معه أينما ذهب، فيوزعه على الناس دون أن يطلبه أحد، وكأنه مسؤول عن قراراتهم، أو وصي على تجاربهم. وما لا يدركه أن كثيرًا ممن ينصحهم قد سبقوه إلى الحياة، وعركتهم الأيام، وخاضوا من التجارب ما لم يخضه هو.

ولهذا جاء المثل الشعبي: “لا تقل للجمل: أح، وعينه أكبر من عينك.” فالجمل ليس بحاجة إلى من يخبره بما يحتمله أو بما يضره، فهو ابن الصحراء، يعرف طريقه أكثر ممن يقف على الهامش يراقبه. وكذلك الناس؛ فلكل إنسان ظروفه، وتجربته، وحساباته التي قد لا يعلمها غيره.

ليس كل ما تعرفه يجب أن تقوله، وليس كل خطر تراه يخفى على الآخرين. فقد يكون الشخص الذي تحذره قد فكّر في الأمر قبلك، ووازن بين منافعه ومضاره، ثم اختار ما يناسبه. وليس من الحكمة أن تفترض جهل الناس لمجرد أنهم لم يسلكوا الطريق الذي تراه أنت صوابًا.

إن النصيحة قيمة عظيمة إذا طُلبت، أما إذا فُرضت على الناس في كل صغيرة وكبيرة، فقد تتحول إلى عبء ثقيل، وربما حملت في طياتها شيئًا من الاستعلاء، وإن لم يقصده صاحبها. فالناس بطبيعتهم يكرهون من يصادر حقهم في الاختيار، ويضيقون بمن يكرر عليهم الإرشادات وكأنهم عاجزون عن إدارة حياتهم.

وتأسيسا على ما سبق، ينبغي علينا أن نترك الناس يعيشون تجاربهم، فيصيبون أحيانًا ويخطئون أحيانًا أخرى، لكون الحياة ليست مدرسة لها معلم واحد، بل هي معلم يتعلم منه الجميع. واحترم حق الآخرين في اتخاذ قراراتهم، ما دامت لا تمس حقوق غيرهم. وإذا رأيت أن عندك كلمة نافعة، فاختر وقتها، وانظر هل طُلبت منك، فإن طُلبت فقلها بأدب، وإن لم تُطلب، فالصمت في كثير من الأحيان أبلغ من كثرة الكلام.

فليس كل جمل يحتاج إلى من يقول له: “أح”، بل أن بعض الجمال تعرف الطريق أكثر ممن يقف ليشير إليها.

مرزوق بن علي الزهراني 🇸🇦

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى