السعودية بين سيادة القانون وضجيج المنظمات الحقوقية الدولية

ليست العدالة أن تقتطع الأرقام من سياقها، ثم تقدم للعالم على أنها دليل إدانة لدولة ذات سيادة. فحين تصدر بعض المنظمات الدولية تقاريرها عن المملكة العربية السعودية، وتكتفي بالحديث عن عدد أحكام الإعدام المنفذة، بينما تغفل طبيعة الجرائم التي ارتكبها أصحابها، فإنها لا تقدم الصورة كاملة، بل تقدم نصف الحقيقة، ونصف الحقيقة قد يكون أحيانا أشد تضليلا من الكذب الصريح. فالمحكوم عليهم بالإعدام في المملكة ليسوا أصحاب مخالفات بسيطة أو آراء سياسية، وإنما تضم القضايا جرائم قتل عمد، واغتصاب، وخيانة عظمى، وتهريب وتجارة مخدرات تهدد أمن المجتمع ومستقبل أجياله. فهل المطلوب من الدولة أن تكافئ هؤلاء بالأوسمة، أم أن تطبق عليهم القانون الذي أقره نظامها القضائي بعد استكمال إجراءات التقاضي؟
إن الدولة التي تتهاون مع القتلة ومهربي المخدرات والخونة، لا تحمي حقوق الإنسان، بل تفرط فيها. فالضحية إنسان، وأسرته لها حقوق، والمجتمع بأسره له حق في الأمن والاستقرار. ومن هنا فإن العدالة لا تقاس بمقدار الشفقة على الجاني وحده، وإنما بقدرتها على حماية الأبرياء وردع المجرمين. ولهذا تؤكد المملكة دائما أن تنفيذ الأحكام لا يتم إلا بعد استنفاد جميع درجات التقاضي والضمانات القضائية التي يكفلها نظامها، بما يحقق العدالة وفق أنظمتها المستمدة من الشريعة الإسلامية.
والأكثر إثارة للاستغراب أن بعض المنظمات تبدو شديدة الحماس عندما يتعلق الأمر بالسعودية أو بدول عربية وإسلامية، بينما يخفت صوتها أو يتراجع تأثيره عندما تقع جرائم حرب مروعة وإبادات جماعية راح ضحيتها آلاف الأطفال والنساء والشيوخ.. في دول أخرى. ففي تلك المآسي الإنسانية التي يشاهدها العالم مباشرة، ينتظر الناس مواقف أكثر صرامة وضغطا ومحاسبة، لكنهم كثيرا ما يرون بيانات لا ترتقي إلى حجم الكارثة. وهذا التفاوت في التركيز يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول معايير الانتقاد وأولويات الرصد.
كما أن الحديث عن عقوبة الإعدام وكأنها ممارسة سعودية استثنائية يخالف الواقع. فهذه العقوبة ما زالت معمولا بها في عدد من دول العالم، بينها دول كبرى، وتنفذ بوسائل متعددة مثل الحقنة المميتة، والكرسي الكهربائي، وغرف الغاز، واستنشاق غاز النيتروجين، فضلا عن وسائل أخرى تختلف من دولة إلى أخرى. ولذلك فإن الاعتراض على وجود العقوبة في السعودية وحدها، مع تجاهل استمرار تطبيقها في دول أخرى، يثير تساؤلات حول اتساق الخطاب الحقوقي ومعاييره.
ومن الحقائق التي لا يمكن تجاهلها أن المجتمع السعودي يواجه تحديات حقيقية في مكافحة المخدرات والجريمة المنظمة، وهي آفة لا تدمر فردا واحدا فحسب، بل تمتد آثارها إلى الأسر والاقتصاد والأمن الوطني. ولذلك فإن تشديد العقوبات على مهربي المخدرات ومن يقفون وراء شبكاتها يأتي في إطار حماية المجتمع قبل أي اعتبار آخر. فالدولة مسؤولة أولا عن أمن مواطنيها، وعن منع تحول أراضيها إلى ساحة لعبث عصابات الجريمة المنظمة.
إن المملكة العربية السعودية لا تطبق القانون على أساس جنسية المتهم أو دينه أو مذهبه أو مكانته الاجتماعية، وإنما على أساس الجريمة التي ارتكبها وما يقرره القضاء المختص. وهذا هو جوهر سيادة القانون؛ فالمساواة أمام العدالة تعني أن الجميع يخضعون للنظام نفسه، دون تمييز أو حصانة أو امتياز. ولو كانت العدالة تفصل على مقاس الجنسيات أو النفوذ، لما استحقت أن تسمى عدالة.
ولا أحد يدعي أن أي نظام قضائي فوق النقد، فالنقد الموضوعي حق مشروع، لكنه يفقد قيمته عندما يتحول إلى انتقائية، أو عندما يتجاهل حقوق الضحايا، أو عندما يختزل أمن المجتمعات في التعاطف مع الجناة وحدهم. إن الدفاع عن حقوق الإنسان يجب أن يكون دفاعا عن الإنسان كله، لا عن طرف واحد من القضية، وأن يكون قائما على معايير واحدة تطبق على الجميع دون استثناء.
إن السعودية دولة ذات سيادة، ومن حقها أن تضع القوانين التي تحمي أمنها واستقرارها، وأن تنفذ الأحكام القضائية وفق نظامها بعد اكتمال الإجراءات القانونية. ومن حق الآخرين أن يختلفوا مع عقوبة الإعدام من حيث المبدأ، لكن ليس من العدل تصوير تنفيذها على أنه دليل وحيد على انتهاك حقوق الإنسان، مع تجاهل الجرائم التي استوجبتها، وتجاهل الدول الأخرى التي ما زالت تطبق العقوبة نفسها، بل وتنفذها بأعداد أكبر أو بوسائل مختلفة.
ولو أرادت المنظمات الحقوقية أن تعزز مصداقيتها، فإن الطريق إلى ذلك واضح: الالتزام بالمعايير نفسها مع جميع الدول، وإدانة جرائم الحرب والإبادة الجماعية والانتهاكات الجسيمة بالقدر نفسه من الوضوح والحزم، وعدم الكيل بمكيالين. فحقوق الإنسان لا تتجزأ، والعدالة لا تكتمل إلا عندما تكون ميزانا واحدا للجميع، لا ميزانا يتغير بتغير الدولة أو الهوية أو الاعتبارات السياسية.
محمد سالم المختار الشيخ /موريتانيا




