الأم .. نعمة لا يعرف قيمتها إلا من فقدها/مرزوق بن علي الزهراني 🇸🇦

حين أراد الله تعالى أن يلفت انظار البشر إلى أعظم الحقوق بعد حقه، لم يذكر سلطانا ولا مالا ولا جاها، وإنما قال سبحانه: ﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا﴾. ثم جاءت السنة النبوية لتجعل الأم في منزلة لا يدانيها أحد، حين سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله: من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أبوك.
وليس ذلك إلا لأن الأم هي المدرسة الأولى، والحضن الأول، والدعاء الأول، والقلب الذي لا يعرف إلا العطاء. إنها التي حملت جنينها تسعة أشهر، ثم وضعته بين الحياة والموت، ثم سهرت الليالي، وأرهقت جسدها، وأذابت شبابها في سبيل أن ترى أبناءها سعداء. فإذا كبر ولدها بقي في عينيها طفلا، وإن شاب رأسه، وإذا تأخر عن منزله اضطرب قلبها، وإذا مرض تمنت أن ينتقل الألم إليها دونه.
ومن أبلغ ما يروى في تعظيم حق الأم، أن أحد الائمة كان يوصي طلابه بالصبر والاحتساب إذا فقد أحدهم أباه أو أمه، ويحثهم على الرضا بقضاء الله، حتى لا يأتيه أحد منهم باكيا جزعا. فلما توفيت والدته، رآه طلابه يبكي بكاء شديدا، فقالوا: عجباً يا إمام، كنت تأمرنا بالصبر، فما الذي ابكاك؟ فقال: “والله لا أبكي على رحيل أمي، ولكني أبكي لأن بابا من أبواب الجنة قد اغلق في وجهي.”
وسواء ثبتت هذه الرواية أو اشتهرت على ألسنة الوعاظ، فإن معناها عظيم، فالأم باب من أعظم أبواب الجنة، ومن وفقه الله إلى برها فقد فاز بخير الدنيا والآخرة، ومن فرط في حقها فقد خسر خسارة لا يعوضها مال ولا جاه ولا منصب.
ومن المؤلم أن نرى في هذا الزمن صورا من العقوق لم تكن مألوفة في مجتمعاتنا. فقد روت إحدى الأخوات بحرقة حال ابنتها التي لم تتجاوز الرابعة عشرة من عمرها، والتي وصلت بها الجرأة إلى رفع صوتها على أمها، والتطاول عليها بالكلمات، بل ومساومتها على البقاء معها أو الرحيل عنها إذا لم تستجب لكل ما تطلب.
والأشد إيلاما أن هذه الأم لم تكن يوما مقصرة، بل كانت الصدر الحاني الذي احتضن أبناءه بعد أن تفرق شمل الأسرة، وتحملت وحدها مسؤولية التربية والإنفاق والرعاية، بينما أختار الأب طريقا آخر بعد انفصاله عنها، فتزوج وأنتقل إلى مدينة أخرى، تاركا أبناءه في كنف امهم.
أي ظلم أعظم من أن يجازى الإحسان بالإساءة، والتضحية بالعقوق؟
إن الأبناء قد ينسون تعب أمهاتهم، لكن الله لا ينساه، وقد يستهين بعضهم بالكلمة الجارحة، لكنها قد تمزق قلبا ظل سنوات يخفق حبا لهم. وما أكثر الأمهات اللاتي يبتسمن أمام أبنائهن، ثم يبكين في خلواتهن من قسوة كلمة أو جفاء موقف.
إن البر ليس مجرد تنفيذ الأوامر، بل هو أن تشعر بما تحتاج إليه أمك قبل أن تطلبه، وأن تسبقها إلى خدمتها، وأن تخفض لها جناح الذل من الرحمة، وأن تجعل رضاها من أعظم أهداف حياتك.
يا أيها الأبناء…
راقبوا الله في أمهاتكم.
لا ترفعوا أصواتكم عليهن.
لا تكسروا خواطرهن.
لا تجعلوا الهواتف أو الأصدقاء أو المؤثرين سببا في جفائهن.
قبلوا رؤوسهن، وأكثروا من احتضانهن، واسمعوهن كلمات الحب والشكر، فرب كلمة صادقة تدخل السرور على قلب أم تعدل عندها كنوز الدنيا.
وتذكروا أن اليوم الذي تحرمون فيه من أمهاتكم سيأتي لا محالة، وعندها سيتذكر كل منكم أن البيت الذي كانت تملؤه بدعائها أصبح موحشا، وأن الطعام الذي كانت تعده لا يشبهه طعام، وأن بابا عظيما من أبواب الرحمة قد أغلق.
وتأسيسا على ما سبق، فإن من كانت أمه على قيد الحياة فليحمد الله ، وليغتنم هذه النعمة قبل أن تتحول إلى ذكرى، وليبادر إلى برها، وإدخال السرور عليها، والاستغفار لها، والدعاء لها، فإن رضاها من أعظم أسباب التوفيق، ودعاءها من أعظم الكنوز، وبرها طريق موصل إلى رضا الله سبحانه وتعالى.
نسأل الله أن يرزقنا بر أمهاتنا وأباءنا أحياء وأمواتا، وأن يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
بقلم : مرزوق بن علي الزهراني




