الطعن في صحابة رسول الله.. فتنة دخيلة على موريتانيا

من أشد ما يؤلم المؤمن أن يرى ظواهر لم تكن يوما جزءا من هوية المجتمع الموريتاني، ولا من ثقافته العلمية، ولا من ميراثه العقدي، ثم تتسلل إليه عبر منصات التواصل أو من خلال أفكار مستوردة تحمل أحقاد القرون، لتزرع بين الناس ما لم يعرفه الآباء ولا الأجداد. ومن أخطر هذه الظواهر ظهور أصوات ـ وإن كانت قليلة جدا ـ تتجرأ على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتنال من أبي سفيان بن حرب رضي الله عنه، ومن ابنه الصحابي الجليل معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، بل وتمتد إلى يزيد بن معاوية، فتجعله مادة للسباب واللعن والخصومات، وكأن أصحاب هذه الحملات سيسألون يوم القيامة عن أولئك الرجال قبل أن يسألوا عن أنفسهم وأعمالهم.
لقد كان المجتمع الموريتاني، عبر تاريخه الطويل، مجتمعا يحفظ للصحابة مكانتهم، ويعرف لهم فضلهم، ويتعبد إلى الله بمحبتهم والترضي عنهم، ويأخذ دينه من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم بفهم سلف الأمة، بعيدا عن مناهج الغلو والأهواء. ولم يعرف أهل هذه البلاد الطعن في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، لأنهم أدركوا أن الطعن في الجيل الذي حمل القرآن والسنة ليس قضية تاريخية مجردة، وإنما هو مساس بأفضل جيل شهد له الله ورسوله بالخيرية والفضل والسابقة.
لقد أثنى الله تعالى على المهاجرين والأنصار، ومدحهم في آيات كثيرة، ووصفهم بالإيمان والصدق والرضوان، فقال سبحانه: “والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه”، وقال جل شأنه: “محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم”. كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن فضل أصحابه فقال: “لا تسبوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل أُحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه”. فبعد هذا الثناء الرباني والنبوي، بأي ميزان يزن بعض الناس أولئك الرجال؟ وأي شهادة تقدم على شهادة رب العالمين ورسوله صلى الله عليه وسلم؟
ومن بين أكثر الشخصيات التي تتعرض للتشويه الصحابي الجليل أبو سفيان بن حرب رضي الله عنه. نعم، كان قبل الإسلام قائدا من قادة قريش، ثم شرح الله صدره للإسلام يوم فتح مكة، فحسن إسلامه، وثبت مع المسلمين، وشارك في الجهاد، وفقد إحدى عينيه في سبيل الله يوم حنين، ثم فقد الأخرى في اليرموك، حتى لقي الله وقد بذل نفسه وماله نصرة لدين الله. وكان صاحب حنكة سياسية، وشجاعة، وكرم، وحسن تقدير للعواقب، وهي صفات سخرها بعد إسلامه لخدمة الإسلام وأهله، فلا يجوز أن يختزل تاريخه في ما كان قبل إسلامه، وقد قال الله تعالى: “قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف”.
أما ابنه معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، فهو صحابي جليل، وكاتب من كتاب الوحي، دعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشهد له كبار الصحابة والتابعين برجاحة العقل، وسعة الحلم، وحسن السياسة. وقد قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: “ما رأيت رجلا كان أخلق بالملك من معاوية”. ووصفه أئمة السير بأنه من كبار العقلاء والحلماء والساسة. وفي عهده استقرت الدولة الإسلامية بعد سنوات الفتنة، ووضعت اللبنات الأولى لدولة قوية استطاعت أن تحافظ على وحدة المسلمين، وأن تؤسس لإدارة راسخة امتدت آثارها قرونا طويلة.
ثم قامت الدولة الأموية التي كان لمعاوية رضي الله عنه شرف تأسيسها، فشهد العالم الإسلامي في ظلها واحدة من أعظم مراحل القوة والانتشار. ففي عهدها اتسعت رقعة الإسلام شرقا حتى بلاد السند وآسيا الوسطى، وغربا حتى المحيط الأطلسي، وفتحت الأندلس، ووصلت الجيوش الإسلامية إلى جنوب فرنسا، وتطور الأسطول البحري الإسلامي حتى أصبح قوة كبرى تنافس الإمبراطورية البيزنطية. وفي عهد عبد الملك بن مروان عربت الدواوين، وسكت العملة الإسلامية المستقلة، وأصبحت العربية لغة الإدارة في أرجاء الدولة، كما ازدهرت العمارة الإسلامية، وشيدت قبة الصخرة، ووسع المسجد الحرام والمسجد النبوي، وانتشرت العربية والعلم والإسلام في آفاق واسعة من العالم. إنها إنجازات حضارية لا ينكرها منصف، مهما اختلف مع بعض اجتهادات حكام تلك المرحلة.
أما يزيد بن معاوية، فهو شخصية تاريخية وقع حولها خلاف واسع بين العلماء والمؤرخين، ومنهج أهل السنة فيها قائم على العدل والإنصاف، فلا يغلون فيه، ولا يجعلونه من كبار الصالحين، ولا يظلمونه بما لم يثبت عليه، ولا يقطعون له بجنة أو نار، وإنما يقولون: هو رجل من المسلمين، له حسنات وسيئات، وأمره إلى الله تعالى. وقد وقعت في عهده أحداث عظيمة ومؤلمة، منها مقتل الحسين رضي الله عنه، ووقعة الحرة، وحصار مكة، وهي أحداث بقيت محل بحث بين أهل العلم في مدى مسؤوليته المباشرة عنها، ولذلك كان الإنصاف أولى من الاندفاع خلف الروايات المتناقضة.
ومع ذلك، فإن من الحقائق التي لا يجوز تجاهلها أن يزيد كان قائد الجيش الأول الذي غزا مدينة قيصر، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: “أول جيش من أمتي يغزون مدينة قيصر مغفور لهم”. وهذا الحديث فضيلة ثابتة لذلك الجيش، ويستأنس بها في بيان أن المسألة ليست كما يصورها دعاة الكراهية، مع بقاء الحكم التفصيلي على الأشخاص إلى الله سبحانه، فهو أعلم بعباده، وأعدل في حسابهم.
إن أهل السنة والجماعة لا يبنون مواقفهم على العاطفة ولا على الروايات المنتقاة، وإنما على النصوص الشرعية والقواعد العلمية. ولذلك أمسكوا عما وقع بين الصحابة، وعدوا ما جرى بينهم من الفتن بابا يطوى، لأنهم جميعا مؤمنون غير معصومين، يجتهدون فيصيبون ويخطئون، وقد قال الله تعالى: “وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما”، فسماهم مؤمنين مع وقوع القتال بينهم، ثم قال بعدها مباشرة: “إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم”. فهذه الآيات ترسم للمؤمن منهجا واضحا: حفظ الإيمان لهم، والإمساك عن الخوض فيما شجر بينهم، والدعاء لهم جميعا.
ولذلك فإن المسلم لن يسأل يوم القيامة: من كان المصيب في صفين؟ ولا ماذا كان رأيه في أبي بكر أو عمر أو عثمان أو علي أو الحسن أو الحسين أو أبي سفيان أو معاوية أو يزيد. وإنما سيسأل عن صلاته، وعن صدقه، وعن أمانته، وعن لسانه، وعن حقوق الناس. قال تعالى: “تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون”. فما أعظم هذا التوجيه القرآني، وما أحوجنا إليه في زمن كثرت فيه الخصومات التي لا تزيد أصحابها إلا بعدا عن إصلاح أنفسهم.
إن مدح الصحابة اليوم لن يزيدهم منزلة، فقد أفضوا إلى رب كريم يعلم سرائرهم، والطعن فيهم لن ينقص من قدرهم الذي رفعه الله، لكنه قد يكون وبالا على صاحبه يوم يقف بين يدي الله تعالى، يوم لا ينفع مال ولا بنون، ويوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه، “لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه”. ففي ذلك اليوم لن يحمل أحد عن أحد وزره، ولن تنفع المهاترات، ولن يبقى إلا العمل الصالح واللسان الذي سلم من أعراض المؤمنين.
إن الطعن في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس خلافا تاريخيا عابرا، بل هو في حقيقته طعن في الجيل الذي رباه النبي صلى الله عليه وسلم، وحمل هذا الدين إلى العالم، ونقل إلينا القرآن والسنة، وضحى بنفسه وماله حتى وصل الإسلام إلى كل بقاع الأرض. ولهذا كان علماء الأمة يحذرون أشد التحذير من الوقوع في أعراض الصحابة، ويعدون ذلك من علامات الانحراف عن منهج السلف، لأن من أحب النبي صلى الله عليه وسلم أحب أصحابه، وعرف لهم فضلهم، وترضى عنهم، وأمسك عما وقع بينهم.
ومن هنا فإن من الواجب على العلماء والدعاة والإعلاميين والمربين أن يتصدوا لهذه الظاهرة بالحكمة والعلم، وأن يبينوا للناس عقيدة أهل السنة في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما أن من مسؤولية ولي الأمر أن يحفظ للمجتمع وحدته العقدية، وأن يمنع كل خطاب يثير الأحقاد، لأن احترام الصحابة ليس قضية فئوية، بل هو جزء من صيانة الثوابت الدينية التي اجتمع عليها المسلمون عبر القرون.
وسيظل أهل موريتانيا، بإذن الله، أوفياء للمنهج الذي ورثوه عن علمائهم، منهج توقير الصحابة جميعا، ومحبة آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم محبة شرعية بعيدة عن الغلو، والإمساك عما شجر بينهم، والدعاء لهم بالرحمة والرضوان. فمن أراد النجاة، فليشتغل بإصلاح نفسه، وليحفظ لسانه، وليتذكر أن الله لن يسأله عن خصومات مضى عليها أكثر من أربعة عشر قرنا، ولكنه سيسأله عن كل كلمة قالها، وعن كل عرض انتهكه، وعن كل مسلم آذاه. وما أحوجنا اليوم إلى أن نجعل ألسنتنا عامرة بذكر الله، وقلوبنا عامرة بمحبة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن نردد مع المؤمنين الصادقين قول الله تعالى: “ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم”.
محمد سالم المختار الشيخ




