التجربة العراقية.. نموذج ناجح في كشف الفاسدين واسترداد ثروات الدولة

ليس هناك خطر يهدد الدول بعد الحروب والإرهاب أشد من الفساد المالي، لأنه العدو الذي يتسلل إلى قلب الدولة من داخلها، فيسرق ثرواتها ويقوض مؤسساتها ويبدد فرص التنمية، بينما يدفع المواطن وحده ثمن الجريمة من أمنه وصحته وتعليمه ورزقه ومستقبل أبنائه. فالمال العام ليس أرقاما في الموازنات ولا أرصدة في المصارف، بل هو مستشفيات ومدارس وطرق وكهرباء ومياه وفرص عمل وكرامة إنسانية، وكل دينار أو دولار ينهب من خزينة الدولة يعني مشروعا متوقفا، ومريضا بلا دواء، وطالبا بلا مدرسة، وأسرة تعيش تحت وطأة الفقر والحرمان.
اقتصاديا، لا يسرق الفساد الأموال فحسب، بل يسرق ثقة المستثمرين، ويطرد رؤوس الأموال، ويضعف العملة، ويزيد معدلات البطالة، ويرفع نسب الفقر، ويحول الموارد الوطنية إلى ثروات خاصة يحتكرها نفر قليل. ومع مرور الوقت تصبح الدولة عاجزة عن تمويل مشاريعها الأساسية، وتتراكم الديون، وتتراجع الخدمات، ويشعر المواطن بأن بلاده الغنية أصبحت عاجزة عن توفير أبسط مقومات الحياة، بينما تزداد ثروات الفاسدين بصورة فاحشة لا يمكن تفسيرها إلا بالنهب المنظم للمال العام.
وسياسيا، يمثل الفساد أخطر تهديد لهيبة الدولة وسيادة القانون، لأنه ينشئ طبقة تستغل النفوذ والسلطة لحماية مصالحها، فتتآكل ثقة الشعب بالمؤسسات، وتضعف العدالة، ويتحول المنصب العام من مسؤولية وطنية إلى وسيلة للإثراء غير المشروع. وعندما يوقن المواطن أن الفاسد يفلت من العقاب، تبدأ شرعية الدولة بالتآكل، لأن العدالة التي لا تطبق على الجميع لا تصنع استقرارا، بل تؤسس لمزيد من الغضب والاحتقان والانقسام.
أما أخلاقيا، فإن الفساد ليس مجرد مخالفة إدارية أو مالية، بل هو خيانة للأمانة واعتداء على حقوق الملايين، لأن الأموال المنهوبة لم تسرق من حكومة أو وزير، وإنما سرقت من أرملة تنتظر راتبا، ومن مريض يبحث عن علاج، ومن شاب يحلم بوظيفة، ومن طفل يستحق مدرسة لائقة ومستقبلا كريما. ولهذا فإن المجتمعات التي تتسامح مع الفساد تفقد تدريجيا منظومة القيم التي تحفظ تماسكها، فيصبح الغش والرشوة واستغلال النفوذ سلوكا مألوفا، وتختلط الحقوق بالمصالح، ويضعف الإحساس بالمسؤولية الوطنية.
وفي ميزان الشريعة الإسلامية، يعد الاعتداء على المال العام من أعظم صور الظلم، لأنه اعتداء على حقوق الأمة بأسرها، وقد شدد الإسلام على حرمة الأموال والأمانات، وجعل أداءها من أعظم الواجبات، كما توعد كل من يخونها بالعقوبة في الدنيا والآخرة. ولذلك فإن محاربة الفساد ليست مجرد خيار سياسي أو اقتصادي، بل هي واجب ديني وأخلاقي يحفظ مصالح الناس ويصون الدولة ويحقق العدل الذي قامت عليه الشرائع والقوانين.
ولذلك لم تتقدم الدول الناجحة بمحاربة الفساد عبر الشعارات والخطب، وإنما عبر سيادة القانون، واستقلال القضاء، والرقابة الصارمة، والعقوبات الرادعة التي لا تفرق بين مسؤول كبير أو موظف صغير. وقد أثبتت تجارب عديدة في المملكة العربية السعودية، والصين، والولايات المتحدة، ودول الاتحاد الأوروبي، أن الدولة التي تمتلك إرادة حقيقية في ملاحقة الفاسدين تستطيع استعادة الأموال المنهوبة، وحماية الاقتصاد، وتعزيز ثقة المواطنين، لأن الرسالة تكون واضحة: لا أحد فوق القانون، ولا حصانة لمن يعبث بمقدرات الوطن.
وفي هذا السياق، برزت الحملة العراقية الأخيرة لمكافحة الفساد بوصفها خطوة لافتة تستحق المتابعة، بعدما كشفت التحقيقات عن ملفات مالية كبيرة وأدت إلى توقيف مسؤولين وإصدار أحكام قضائية واستعادة مبالغ ضخمة من الأموال العامة. فقد أعلنت السلطات ضبط نحو أحد عشر مليون دولار وأربعة مليارات دينار عراقي بحوزة وكيل وزير النفط لشؤون التوزيع، إلى جانب عقارات وأصول أخرى، فيما صدرت أحكام بالسجن والغرامات ومصادرة الممتلكات بحق مسؤولين آخرين في قضايا غسل الأموال والفساد، بالتزامن مع إجراءات لاسترداد الأموال المنهوبة داخل العراق وخارجه، في رسالة تؤكد أن مكافحة الفساد لا تقتصر على الاعتقال، بل تمتد إلى استرجاع حقوق الشعب وتجفيف منابع الإثراء غير المشروع.
وما يلفت الانتباه في هذه الحملة أنها لم تكتف بالإجراءات السرية، بل كشفت للرأي العام تفاصيل القضايا، وحجم الأموال المضبوطة، وأسماء المسؤولين الذين طالتهم التحقيقات، وهو ما يعزز مبدأ الشفافية ويؤكد أن المجتمع شريك في حماية المال العام. فإعلان الحقائق أمام المواطنين لا يهدف إلى التشهير بقدر ما يرسخ ثقافة المساءلة، ويبعث برسالة واضحة لكل من تسول له نفسه العبث بثروات الدولة بأن الجرائم المالية لن تبقى طي الكتمان، وأن زمن الإفلات من العقاب لا يمكن أن يستمر إلى الأبد.
إن الدول الصادقة في محاربة الفساد مطالبة بالاستفادة من هذه التجربة، ليس فقط في ملاحقة المتورطين، بل في الجمع بين سرعة الإجراءات، وشفافية الإعلان، واسترداد الأموال، وتطبيق العقوبات الرادعة بحق كل من تثبت إدانته دون استثناء أو انتقائية. فالفاسد لا يخشى القوانين المكتوبة بقدر ما يخشى يقين العقوبة، ولا يخاف التحقيق السري بقدر ما يخاف انكشاف جرائمه أمام شعبه، لأن سقوط الهيبة الاجتماعية للفاسد يمثل عقوبة معنوية لا تقل أثرا عن العقوبة القضائية.
إن الأوطان لا تهزمها قلة الموارد بقدر ما يهزمها فساد الضمائر، ولا تبنيها كثرة الثروات إذا كانت الأيدي العابثة تمتد إليها بلا رادع. وكل دولار يستعاد إلى خزينة الدولة هو انتصار للعدالة، وكل فاسد يمثل أمام القضاء هو انتصار للقانون، وكل مسؤول يدرك أن المنصب تكليف لا غنيمة هو خطوة نحو دولة قوية عادلة. وحين يصبح المال العام خطا أحمر لا يجرؤ أحد على تجاوزه، عندها فقط تزدهر الاقتصادات، وتستقر السياسة، ويشعر المواطن أن وطنه يحمي حقوقه، وأن الدولة وجدت لخدمته لا لتكون فريسة للفاسدين.
محمد سالم المختار الشيخ /موريتانيا




