طريق الأمل.. الشريان الذي ينزف أرواح الموريتانيين

على امتداد الأفق الموريتاني، يشق طريق الأمل صحراء الوطن بطول يزيد عن 1100 كيلومتر، رابطا نواكشوط بالحوض الشرقي، مارا بولايات حيوية مثل لبراكنة، لعصابة، تكانت، والحوض الغربي. هو أكثر من مجرد طريق: إنه شريان استراتيجي، اقتصادي، اجتماعي، وإنساني. طريق الأمل ليس اسما عابرا، بل وعدا كبيرا أطلقته الدولة الموريتانية في سبعينيات القرن الماضي، مع بداية بناء الدولة الحديثة، ليكون رمزا للوحدة الوطنية والربط بين الأطراف والمركز.
لكن المفارقة المأساوية أن هذا الطريق، الذي يفترض أن يكون رمزا للربط والأمل، أصبح رمزا للفقد والانهيار. “طريق الموت” كما بات يسمى في الأوساط الشعبية، حصد أرواح آلاف الموريتانيين من مختلف الطبقات والمناطق والفئات المهنية، دون تمييز بين مسؤول ومواطن بسيط، بين طبيب ومزارع، بين عالم وجندي.
حين أنشئ طريق الأمل في عهد الرئيس المختار ولد داداه، كان الهدف استراتيجيا: تمكين التواصل بين المركز والأطراف، تعزيز التبادل التجاري، وربط الولايات الشرقية المحرومة بمصادر القرار والتنمية. وعلى مدى سنوات، لعب الطريق دورا كبيرا في كسر عزلة تلك المناطق، ومكن من تنقل آلاف الطلبة والعاملين والأطباء بين الداخل والعاصمة.
غير أن البنية التحتية التي أنشئت في السبعينيات لم تخضع للتحديث الجذري المطلوب، رغم أن البلاد شهدت في فترة نظام ولد الطايع تضاعفا كبيرا في عدد السيارات والمركبات. فقد تم تحرير الأسواق وارتفع عدد مستخدمي الطريق بشكل غير مسبوق، دون أن يقابله ذلك باستثمار حقيقي في إصلاح أو توسعة الطريق.
أرقام مفزعة… وقصص دامعة
تشير تقديرات ميدانية إلى أن طريق الأمل تسبب منذ التسعينيات في آلاف الوفيات والجرحى والمصابين بإعاقات دائمة. وتزداد خطورة الطريق في مقاطعه بين نواكشوط وبتلميت وألاك، ومناطق الحوضين، حيث الطرق ضيقة، متآكلة، ومليئة بالحفر، مع غياب شبه تام للإنارة أو وسائل الإنقاذ.
كم من طبيب كان في طريقه إلى مستشفى داخلي لإنقاذ حياة، ففقد حياته؟ كم من طالب جامعي قضى قبل أن يحقق حلمه؟ كم من معلم كان عائدا لعائلته ولم يصل؟ إن لكل رقم قصة، ولكل ضحية حلم انتهى قبل أوانه.
من أشهر الحوادث المفجعة، حادثة وفاة ، لبروفيسور العقيد محمد ولد أحمد عيشه أحد أبرز الاطباء في موريتانيا، خلال تنقله على هذا الطريق. كما فقدت الدولة ضباطا وأطباء وقضاة وشخصيات عامة، ما حول الطريق إلى فزاعة وطنية.
الضرر لا يتوقف عند الأرواح؛ فهناك آثار اقتصادية عميقة:
نزيف الكفاءات: خسارة موارد بشرية نادرة ومدربة.
تعطيل حركة التجارة: بفعل المخاطر المتزايدة على النقل.
ارتفاع كلفة النقل والسلع: بسبب صعوبة التنقل وكثرة تعطل المركبات.
تزايد عزلة المناطق الشرقية: ما يوسع فجوة التنمية بينها وبين الساحل.
بحسب تقديرات اقتصادية، تكلف الحوادث الطرقية مليارات الأوقية سنويا، بين تعويضات، علاجات، خسائر بشرية ومادية، وانخفاض الإنتاج.
مقارنة بالدول الأخرى: هل نحن في الزمن المناسب؟
في المغرب مثلا، تم إنشاء طرق سريعة (Autoroutes) بين المدن الكبرى برسوم رمزية، مما قلل من الحوادث ورفع من كفاءة النقل. وفي السنغال، تم افتتاح طريق سريع بين داكار وديامنياديو، رغم الظروف الاقتصادية المشابهة لموريتانيا.
إذن، ليس العائق في التمويل فقط، بل في الإرادة والرؤية.
ما الحل؟ خطة وطنية شاملة… لا ترقيع
الحل لا يكمن في الترقيع المؤقت، بل في رؤية شاملة تبدأ من الاعتراف بحجم الكارثة، وتنتهي ببناء طريق عصري، سريع، آمن. ويمكن أن تتضمن الخطة الوطنية ما يلي:
1. بناء طريق سريع مواز برسوم رمزية
يتم تنفيذه بالشراكة مع القطاع الخاص (نظام BOT).
يقلل الضغط عن الطريق الحالي، ويحسن الأمان.
2. تجديد الطريق الحالي كليا
سفلتة كاملة، تقسيم مسارات، تركيب حواجز أمان.
3. نشر محطات إسعاف وخدمات طرقية كل 50 كلم
طواقم طبية مجهزة، وسيارات إسعاف.
4. تفعيل شرطة الطرق السريعة
دوريات منتظمة، ضبط السرعة، مراقبة سلامة المركبات.
5. حملة تحسيس وطنية مستمرة
عبر الإعلام والمساجد والمدارس، للوعي بمخاطر الطريق.
دعوة وطنية: أنقذوا طريق الأمل
لم تعد المسألة رفاها، بل حياة أو موت. إن مشروع إعادة تأهيل طريق الأمل وبناء بديل آمن له، يجب أن يكون أولوية وطنية عاجلة، تشارك فيه الدولة والمجتمع، والقطاع الخاص والشركاء الدوليون.
فلا كرامة لشعب يدفن أبناءه كل أسبوع على قارعة طريق، ولا مستقبل لوطن يخسر نخبه في رحلات قاتلة.
لنعد للأمل معناه الحقيقي…
ولنصنع طريقا لا يقتل، بل يربط… لا يفرق، بل يوحد.
بقلم: محمد سالم المختار الشيخ




