قانون الغاب الحديث.. حيث يتحول المستوطن إلى سيد والفلسطيني إلى فريسة على أرضه !

في عالم يفترض أن يكون فيه الإنسان أثمن ما في الوجود، نشهد أمام أعيننا – بل أمام عدسات العالم كله – ميلاد قانون غريب… قانون الغاب، لا يطبق في الأحراش ولا في الأدغال، بل في فلسطين، قلب العالم، حيث المستوطنون الإسرائيليون يمرحون ويسرحون كذئاب جائعة تنهش لحوم النساء، وتطارد الأطفال، وتطأ بأقدامها جماجم الشيوخ، وتخنق في المهد أحلام الشباب. كل هذا تحت حماية مباشرة من جيش الاحتلال، وفي صمت مطبق من عالم فقد ضميره وخرس لسانه وتخلى عن إنسانيته.
أي وقاحة تاريخية تلك التي تجمع بين صورة المعتدي البشع الذي يبطش، وصورة الضحية التي تدان؟! هؤلاء المستوطنون، الذين يدعون أنهم “شعب الله المختار”، وأنهم أسياد الأرض والبشر، وأن الله خلقهم ليكونوا سادة وخلق غيرهم ليكونوا خدما، هم في الحقيقة أحقر من أن يوصفوا بالبشر. إنهم من أسفل وأدنى ما جادت به الأرض من مخلوقات. لصوص بالفطرة، قتلة بالغريزة، جبناء إذا واجهوا، ووحوش إذا اطمأنوا إلى ضعف الضحية.
يرتدون ثيابا حديثة، يتحدثون عن الحضارة والحداثة و”الشرق الأوسط الجديد”، لكن في دواخلهم يسكن وحش قذر لا يعرف إلا السحل والحرق والنهب. إنهم لا يختلفون عن الضباع إلا في أن الضباع لا تدعي النبوة ولا تتغنى بالعدالة. أما هؤلاء فيجمعون بين سواد النفس، وخسة السلوك، وكذب الادعاء، حتى صاروا في عرف الناس أمثلة للغدر، ونماذج للقذارة الأخلاقية، وأوصافا حية لكل ما هو خسيس ووضيع.
مستوطنون؟ لا بل عصابة دولية من القتلة والسفاحين والمغتصبين، لا يفرقون بين امرأة حبلى أو شيخ طاعن في السن أو طفل رضيع. يحرقون المنازل والمزارع والمواشي، يسرقون كل ما تقع عليه أيديهم، يدنسون المساجد والكنائس، يعتدون على الأسرى، يبصقون على الشرف والكرامة والإنسانية، وكأنهم ولدوا بلا رحمة، بلا ضمير، بلا ذرة من إنسانية.
إنهم يحتفلون بالدم، ويقيسون نصرهم بعدد الجثث التي يسقطونها، وكأننا في غابة لا تعرف الحق ولا تعرف الرحمة. وقد باتوا مضرب المثل في اللؤم، والوضاعة، وقلة الأصل، حتى ليخجل الشيطان من مقارنتهم به!
والأدهى من كل هذا، أن هذا الإجرام لا يحدث في الخفاء، بل تحت الأضواء، وأمام عدسات الإعلام، وبحماية كاملة من جيش الاحتلال، ومباركة غير معلنة – لكنها مفهومة – من دول الغرب، وعلى رأسها الولايات المتحدة، التي تدعي أنها حامية “حقوق الإنسان” بينما ترعى الوحش الإسرائيلي في أبشع صور العنف والعنصرية.
لو قلبت الآية، وكان المعتدي فلسطينيا والضحية يهوديا، لأقاموا الدنيا ولم يقعدوها. لسميت الحادثة “إرهابا”، ولخرجت التصريحات من العواصم الكبرى، ولتسابق الإعلام الغربي في تصوير “الوحش الفلسطيني” الذي لا يعرف القانون، ولا يحترم العهود. لكن لأن الضحية فلسطيني، والقاتل يهودي، فإننا لا نسمع إلا همسات خجولة لا تسمن ولا تغني من جوع، وكأن الدم الفلسطيني ماء، وكأن الأرواح التي تسحق لا تستحق الحياة!
تخيلوا فقط لو أن مستوطنا فلسطينيا فعل ما يفعله المستوطنون الإسرائيليون يوميا… كم حربا ستشن؟ كم قانونا سيسن؟ كم عاصمة ستنعقد فيها مؤتمرات الطوارئ؟! أما حين يكون الفلسطيني هو الضحية، فالعالم يتفرج، ويكتفي ببعض بيانات التنديد، التي لا تساوي ثمن الحبر الذي كتبت به.
لكن الفرق كل الفرق، أن الفلسطيني – إن قدر له أن يحكم أو يملك – لا يظلم من تحت يده أحد. التاريخ يشهد: عاش اليهود في كنف المسلمين مئات السنين آمنين، لم تنتهك لهم حرمة، ولم يقتل منهم بريء، ولم يمنع عنهم حق. الفلسطيني بعقيدته، بأخلاقه، بقيمه، لا يعرف الظلم، ولا يسعى للثأر المجرد، بل يعامل الناس بعدل وإنصاف. وهذا هو الفرق الجوهري، الفرق بين من يحمل في قلبه الرحمة، ومن يحمل في دمه الكراهية الموروثة.
أما أولئك المستوطنون، فإنهم مهما ادعوا “أنهم بشر”، فإن أفعالهم تناقض ذلك. لا كرامة فيهم، لا دين يردعهم، لا إنسانية توقظهم. يقتلون بدم بارد، يضحكون فوق الدماء، ويعلمون أبناءهم الحقد منذ المهد. لا تجد فيهم رأفة، ولا خجل، ولا خشية من الله ولا من التاريخ.
وسيأتي يوم…نعم، سيأتي يوم، يكتب فيه التاريخ بأقلام حرة لا تعرف النفاق، أن هؤلاء كانوا أحقر من مروا على هذه الأرض، وأن جرائمهم فاقت وحشية النازيين، وأن جيشهم كان جيشا لبربرية لا تعرف الشرف ولا القانون.
وسيذكر أن دولتهم، التي قامت على القتل والطرد والنهب، كانت عارا في جبين الإنسانية، وأن المستوطنين فيها ليسوا سكانا بل غزاة، وليسوا رعايا بل وحوشا بثياب مدنية.
وسيبقى هذا العار يلاحق كل من دعمهم، وصمت عنهم، أو برر لهم، وسيكون دعم الولايات المتحدة والغرب لهم وصمة عار لا تمحوها عقود من التوبة أو محاولات التنصل.
في الختام…يا من تغترون بقوتكم، وتتبجحون بقمعكم…اعلموا أن الزمان دول، وأن الحق لا يموت، وأن الدول التي قامت على جماجم الأبرياء لم تخلد يوما.
ها قد مضت الإمبراطوريات الرومانية، والفرس، والتتار، والنازية، والسوفييت… وأنتم لستم أعظم منهم، بل أدنى، وأنذل، وأخس.
فهل من متعظ؟
بقلم : محمد سالم ولد المختار الشيخ




