لمن راهنوا على التطبيع.. “البيجر” كشف أن إسرائيل لا تصافح إلا لتطعن

في واحدة من أكثر الحوادث دموية وصدمة للرأي العام العربي والعالمي، كشفت ما بات يعرف بـ”معركة البيجر” عن الوجه الحقيقي لإسرائيل، ذاك الوجه المتعطش للدماء، المتفنن في الغدر، والمتجرد من كل قيمة إنسانية أو مبدئية. لقد أثبتت هذه العملية أن هذا الكيان اللقيط لا يفرق بين مقاتل ومدني، ولا يعرف للرحمة سبيلا، وأنه لا يضيع فرصة إلا ويمعن فيها قتلا وسفكا للدماء، مستخدما أحدث أدوات القتل والتجسس التي يوفرها له الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية.
لقد كانت حادثة انفجار أجهزة “البيجر” – تلك الأجهزة البدائية التي تعود لثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي – لحظة فارقة في وعي الشعوب، وناقوس خطر يدق بشدة في آذان من لا يزال يظن أن التعامل مع هذا الكيان الغادر يمكن أن يكون بسلام أو ضمانات. لقد تم تحويل هذه الأجهزة من وسائل اتصال بدائية إلى قنابل موقوتة استهدفت عناصر ما يسمى بحزب الله اللبناني في اختراق أمني صهيوني خبيث، فتحولت الأجهزة التي كانت تستخدم لتلقي التنبيهات إلى وسائل قتل جماعي وصامت.
هذه ليست المرة الأولى التي يكشف فيها الكيان عن حقيقته الغادرة، لكن “معركة البيجر” جاءت بمذاق مختلف، إذ إنها أعادت التأكيد على أن الصهاينة لا ينامون على غفلة، بل يعدون العدة ليل نهار، ويطوعون كل ما بأيديهم – وما بأيدي داعميهم من تقنيات وتجهيزات – من أجل تنفيذ عمليات قتل ممنهجة لا تفرق بين خط أمامي أو عمق مدني.
والرسالة التي يجب أن تفهم اليوم قبل الغد: لا أمان مع هذا الكيان، لا في السلم ولا في الحرب. من يظن أن بإمكانه الركون إلى وعودهم، أو أن التطبيع معهم سيجلب له الأمن والاستقرار، فهو كمن يتوسد عقربا وينتظر منه أن يدفئه. إسرائيل لا تعرف وفاء ولا عهدا، ولا تحمل في جعبتها إلا الخيانة والوحشية والغدر.
ولعل “معركة البيجر” تكتب رسالة بمداد الدم والدموع إلى كل من طبع أو لا يزال يفكر في التطبيع: انظروا كيف يدار القتل ببرودة، كيف تحول أدوات الاتصال إلى أدوات إبادة، وكيف تغتال الأرواح باسم التكنولوجيا الغربية، التي لا يهمها إلا تكديس الأرباح حتى لو كان الثمن دماء الأبرياء في لبنان أو فلسطين أو أي بقعة في الشرق.
ووسط هذا المشهد، لا يسعنا إلا أن نؤكد أن الغدر الصهيوني هو نفسه منذ النكبة حتى يومنا هذا، وأن الصراع معه ليس مجرد احتلال أرض، بل صراع وجود مع كيان لا دين له ولا أخلاق ولا ذمة. وكل من يواجه هذا العدو لا بد أن يعلم أنه يواجه وحشا لا يهدأ، يسهر على صناعة الموت، ويستثمر في أدوات الخداع، ويستغل غفلة الأمم والأنظمة.
إن من العار أن نمد أيدينا لهذا الكيان المتوحش بينما هو يلطخ الأرض بدمائنا. ومن الخزي أن نقبل به جارا أو شريكا أو حليفا، بينما يزرع تحت أقدامنا أدوات الموت في عباءة السلام.
فلتكن “معركة البيجر” جرس إنذار، وتاريخا لا ينسى، يدرس للأجيال على أنه يوم انكشفت فيه عورات التكنولوجيا التي تلبسها إسرائيل ثوب “الحداثة”، بينما جوهرها ليس إلا قنابل حقد موقوتة.
وليكن الرد الحقيقي، لا بالبكاء على الضحايا، ولكن بإعادة صياغة الوعي الجمعي للأمة: أن لا أمن مع الكيان الصهيوني، ولا استقرار مع كذبة “السلام”، وأن الطريق الوحيد للكرامة هو مقاومة هذا الكيان بكل الوسائل الممكنة.
بقلم : محمد سالم المختار الشيخ




