من حماية اليهود إلى قمع الفلسطينيين.. الوجه الآخر لمعاداة السامية

منذ قرون ارتبط مصطلح “السامية” بالجانب اللغوي والثقافي، إذ يشير في أصله إلى مجموعة الشعوب التي تنحدر من اللغات السامية كالعبرية والعربية والآرامية وغيرها. غير أن المفهوم اكتسب لاحقا بعدا أيديولوجيا حين حصر في الديانة اليهودية، فظهر مصطلح “معاداة السامية” ليصف كل أشكال العداء أو التمييز ضد اليهود كجماعة دينية أو إثنية.
في جوهره، يفترض أن يكون هذا المفهوم حصنا ضد الاضطهاد والعنصرية التي عانى منها اليهود في أوروبا عبر التاريخ. غير أن إسرائيل حولته إلى أداة سياسية ودعائية، إذ نزعت عنه دلالته الحقيقية وربطته مباشرة بانتقادها كدولة وممارساتها كقوة احتلال. وبهذا أصبح كل صوت يندد بالاستيطان، أو يفضح جرائم الحرب في الضفة الغربية وقطاع غزة، أو يناصر الحق الفلسطيني في الحرية، عرضة لاتهام جاهز هو “معاداة السامية”.
لقد نجحت تل أبيب، عبر نفوذها السياسي والإعلامي في الغرب، في جعل هذا الاتهام سيفا مسلطا على رقاب المثقفين والجامعات والصحافة وحتى الحكومات. فالمطالبة بمقاطعة الاحتلال تقدم باعتبارها إنكارا لحق اليهود في الوجود، وانتقاد مجازر غزة يسوق على أنه تحريض ضد اليهود كجماعة بشرية، رغم أن الحقيقة واضحة: الصراع ليس دينيا ولا عرقيا، بل هو صراع تحرر وحقوق ضد استعمار استيطاني يمارس التهجير والقتل والحصار.
إن معاداة السامية الحقيقية هي خطاب الكراهية والتمييز ضد اليهود أينما كانوا، أما رفض سياسات إسرائيل فليس سوى موقف أخلاقي وإنساني في وجه أفظع صور الإبادة والظلم. لكن إسرائيل تصر على خلط الأوراق لتمنح نفسها حصانة أخلاقية زائفة وتبريرا دائما لجرائمها المروعة.
واليوم، وقد باتت صور الدمار في غزة ودموع الأمهات في الضفة تصل إلى كل بيت عبر الشاشات، لم يعد يجدي سلاح الاتهام هذا. فالعالم يفرق أكثر فأكثر بين الدين اليهودي كديانة سماوية، وبين المشروع الاستيطاني الذي يختبئ خلفه. لقد تحول هذا السلاح إلى قناع مفضوح، تتساقط أوراقه كلما ارتفع صوت الضحايا مطالبا بالحرية والعدالة.
إن مقاومة الظلم ليست معاداة للسامية، بل هي أسمى تعبير عن إنسانية الإنسان. ومن يقف اليوم ضد الاحتلال إنما يقف مع الحق، مع الكرامة، ومع مستقبل يليق بشعوب هذه المنطقة، بعيدا عن جرائم الحرب وشعارات التضليل.
بقلم : محمد سالم المختار الشيخ




