ثلاثي الظلام.. من فساد نتنياهو إلى عنصرية بن غفير وفاشية سموتريتش

في زمن تتكاثر فيه المآسي والخيبات، يبرز في المشهد الإسرائيلي ثلاثي لا مثيل له في القبح والعدوانية: بنيامين نتنياهو، إيتمار بن غفير، وبتسلئيل سموتريتش. ثلاثة رجال تجمعهم شهوة السلطة الملطخة بالدماء، وتوحدهم العنصرية التي لا تعرف حدودا، ويجمع بينهم مشروع يقوم على سحق الآخر وإلغاء وجوده. هؤلاء لم يأتوا صدفة، بل صعدوا على أكتاف أيديولوجيا استيطانية متطرفة، ثم وجدوا في التحالف مع بعضهم طريقا للهيمنة على المشهد السياسي الإسرائيلي، حتى غدت دولتهم أكثر انحدارا وفاشية من أي وقت مضى.
نتنياهو، السياسي المخضرم الذي عرفه العالم لعقود، ليس زعيما بقدر ما هو تاجر أزمات، يقتات على الدماء ويعيش على إشعال الحروب. هو رجل لم يتردد في استخدام القتل الجماعي كوسيلة للهروب من محاكم الفساد والرشوة التي تلاحقه، فحول حياة الفلسطينيين إلى وقود لبقائه في الحكم. كلما ضاق عليه الخناق داخليا، اندفع نحو الخارج ليصب نيرانه على غزة أو جنين أو نابلس، ليعيد ترتيب أوراقه السياسية على حساب دماء الأبرياء. إن نتنياهو ليس مجرد رئيس حكومة، بل هو صورة مركبة للأنانية السياسية والفساد الأخلاقي، حيث يصبح الحكم غاية في ذاته حتى لو انهار كل ما حوله.
أما إيتمار بن غفير فهو الوجه العلني للعنصرية والوقاحة. رجل تجرأ على تعليق صورة قاتل مجرم مثل باروخ غولدشتاين في بيته، ولا يخجل من الدفاع عن إرهاب المستوطنين باعتباره “حقا مشروعا”. إنه لا يتحدث بلغة السياسة، بل بلغة الميليشيا والعصابة، يلوح بالسلاح ويهدد بالطرد والقتل والسحق، في خطاب لا يختلف عن أي خطاب كراهية عرفه التاريخ من قبل. وجوده في منصب وزاري لم يغير شيئا من طبيعته، بل حول نزعاته المريضة إلى سياسات رسمية، جعلت الشوارع والقرى الفلسطينية عرضة لإرهاب يومي لا يتوقف. إن هذا الرجل ليس مجرد سياسي متطرف، بل تجسيد حي لذهنية استعمارية ترى في الفلسطيني عدوا بالفطرة لا يستحق إلا الإبادة أو النفي.
ثم يأتي بتسلئيل سموتريتش، الذي يمثل أشد أشكال التطرف خطورة، لأنه يغلفها برداء ديني مقدس. هذا الرجل أعلن بوقاحة أن الشعب الفلسطيني “وهم لا وجود له”، ودعا علنا إلى محو قرى فلسطينية كاملة من الوجود، كما حدث حين طالب بإزالة بلدة حوارة عن بكرة أبيها. إنه يحاول أن يبرر مشروعه الاستيطاني الدموي بآيات ونصوص، ليوهم أتباعه أن اغتصاب الأرض وتهجير أصحابها عمل مقدس. الفاشية الدينية التي يحملها سموتريتش ليست مجرد كلمات، بل مشروع متكامل يراد فرضه على كل فلسطين، وهي أخطر ما يواجهه أي شعب حين يتحول الاحتلال إلى عقيدة مقدسة لا تقبل نقاشا ولا تسامحا.
اجتماع هؤلاء الثلاثة في السلطة ليس مجرد مصادفة سياسية، بل كارثة حقيقية على المنطقة بأسرها. إنهم يشكلون تحالفا قائما على الكراهية والدم، يوزع الأدوار بينهم بمهارة: نتنياهو يضفي غطاء الدولة والخبرة السياسية، بن غفير يوفر الوجه الميليشياوي العنيف، وسموتريتش يمنح الشرعية الدينية لما لا يمكن تبريره. هكذا تتحول إسرائيل اليوم إلى كيان أكثر انكشافا من أي وقت مضى، كيان يمارس العنصرية جهارا نهارا، ويمارس التطهير العرقي بلا مواربة، ويمعن في تحدي القوانين الدولية وحقوق الإنسان.
لكن خطورة هؤلاء الثلاثة لا تتوقف عند حدود فلسطين وحدها، بل تمتد إلى المنطقة والعالم بأسره. فسياساتهم القائمة على الإبادة والعدوان تشعل صراعات لا تنتهي، وتغذي الإرهاب والكراهية، وتجعل من الشرق الأوسط بؤرة دائمة للفوضى. إنهم لا يهددون الفلسطينيين فقط، بل يهددون قيم الإنسانية ذاتها، إذ يسعون لتكريس منطق القوة فوق أي منطق، والعنصرية فوق أي عدالة، والدم فوق أي قيمة للسلام.
ولئن كان هذا الثلاثي يفاخر اليوم بما يحققونه من جرائم، فإنهم في الحقيقة يكشفون بوقاحتهم ما حاولت الصهيونية أن تخفيه طويلا. لقد أزاحوا الأقنعة عن وجه الاحتلال، وأظهروا للعالم أن إسرائيل ليست سوى مشروع استعماري قائم على الإبادة والنهب، وأن الحديث عن ديمقراطية أو قيم إنسانية ليس إلا خداعا رخيصا. وهنا تكمن المفارقة: بقدر ما يشكلون خطرا على الفلسطينيين والمنطقة، فإنهم أيضا يفضحون حقيقة الكيان أمام كل من لا يزال يتردد في رؤيتها.
إن نتنياهو وبن غفير وسموتريتش ليسوا مجرد سياسيين عابرين، بل علامات سوداء في تاريخ البشرية، نماذج حية للانحطاط الأخلاقي والسياسي. وجودهم في السلطة وصعودهم إلى القرار لا يعني قوة إسرائيل، بل يعني اقترابها من نهايتها الحتمية، لأن الأنظمة التي تبنى على الكراهية لا تعمر طويلا، ولأن الشعوب لا يمكن أن تمحى مهما بلغت آلة البطش من جبروت. هؤلاء الثلاثة، مهما بلغ غيهم، لن يستطيعوا أن يغيروا حقيقة واحدة: أن الأرض لأهلها، وأن الحق باق لا يموت، وأن كل احتلال زائل لا محالة.
بقلم : محمد سالم المختار الشيخ




