سكينة الأرواح حين تفوّض الأمر لمن يدبّر الأمر

في زحمة الحياة، حيث الضجيج لا ينقطع، والقلق يسكن الأضلاع، تتوق الأرواح إلى سكينةٍ لا تشوبها شوائب الفقد، ولا تزلزلها رياح الفواجع. ويقف الإنسان بين مفترق طرق: إما أن يحمل أثقاله وحده فينكسر، أو أن يضعها بين يدي من “يدبّر الأمر”، فيسكن.

قيل لأحد الصالحين، ما سرّ هذه السكينة التي ترفرف حولك كأجنحة ملائكة؟ فقال: قرأت قوله تعالى (يُدبِّر الأمر)، فعلمت أن التدبير ليس لي، بل لله، فأسلمت وجهي وأمري لصاحب الأمر.

هنا تكمن خلاصة الحكمة التي يعجز عن الوصول إليها من غرق في وهم السيطرة، من ظن أن مفاتيح القدر بين يديه، وأن الخلاص يأتي من كثرة السعي وحده. إن هذه الكلمات الثلاث “يدبّر الأمر”، حين تتغلغل في أعماق القلب، تخلع منه شوك القلق، وتبذر فيه بذور الاطمئنان. فالله ليس غافلًا، ولا بعيدًا، ولا عاجزًا. هو المدبّر، الذي يراك حين تنهار دون أن تنبس ببنت شفة، وهو من يُعيد ترتيب فوضاك بصمتٍ عجيب.

وحين تطالعك أقدار الحياة بوجهها الكالح، وتخنقك العُقد التي لا تُحلّ، يأتيك وعده الصريح في قوله: (إن مع العسر يسرا). ليست مصادفة أن يربط الله اليُسر بالعُسر في تلازم حتمي، وكأن العُسر هو الطريق السريّ الذي يعبر منه اليُسر. لا عسرٌ يبقى، ولا شدةٌ تدوم، فاليُسر قادم لا محالة، لا لأننا نستحقه، بل لأنه وعد الله، ووعده لا يُخلف.

ومن تمام السكينة أن ترتقي النفس خطوة أبعد، حين تقرأ قوله تعالى: (فما ظنكم برب العالمين؟). سؤال يهزّ وجدانك هزًّا، لا ليطلب إجابة لفظية، بل ليفتح نوافذ التأمل في طبيعة ظنّك بالله. فإن ظننت خيرًا، جاءك الخير من حيث لا تحتسب، وإن ظننت غير ذلك، فقد حكمت على نفسك بضيق ما وسعه الله.

هكذا يتشكّل نسيج السكينة، خيطًا من الإيمان، وآخر من التفويض، وثالثًا من حسن الظن. فلسفة روحية تتجاوز اللغة، وتجعل من القلب مستقرًا لا تعبث به العواصف. إن السكينة لا تعني غياب الألم، بل تعني الحضور العميق للطمأنينة رغم الألم. إنها حالة وجدانية، لا يُصنعها المال، ولا الجاه، ولا حتى العلاقات، بل تُنسج من يقينٍ داخلي عميق: أن هناك ربًا يراك، ويسمعك، ويدبّر لك ما لا تراه.

وحين تترك الأمر لصاحب الأمر، تُدرك فجأةً أن الحياة ليست معركة دائمة، بل رحلة مؤقتة يُمتحن فيها الصبر، ويُكافأ فيها الرضا. فـ”توكّل”، لا كمن ينتظر المعجزات من فراغ، بل كمن يعمل وهو يعلم أن النتائج ليست من صنع يديه، بل من يد الرحمن.

إننا في زمنٍ يتغوّل فيه القلق، ويتكاثر فيه الضياع، بحاجةٍ ماسة إلى أن نعيد قراءة هذه الآيات، لا بعين العادة، بل ببصيرة القلب. لعلّنا بذلك نصل إلى بعض ما وصل إليه ذلك الصالح: سكينة لا تزول، وثقة لا تهتز، ورجاء لا يخيب.

وتأسيساً على ما سبق، فإن في كلمات الله ما يُقيم ممالك من الطمأنينة في قلبٍ واحد، وما يُطفئ جمر العجز في أرواحٍ أرهقها السعي. فلا تبتئس، فإن التدبير ليس لك، والعُسر ليس دائمًا، وربّ العالمين لا يُخيّب من أحسن به الظن.

بقلم:  مرزوق بن علي الزهراني

مرزوق بن علي الزهراني 🇸🇦

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى