الضمير الراحل… والخبز المفقود

في غزة، لا يُشبه الجوع شيئًا مما نعرف. لا هو تأخر وجبة، ولا نسيان مائدة، ولا ضيق ذات يد، بل هو وجعٌ يتسلّل من تحت الركام، ويصعد مع أنفاس الأمهات، ويتكسر في عيون الأطفال كدمعةٍ خائفة. الجوع هناك ليس مجرد ألمٍ في البطن، بل صرخة في الضمير الإنساني… ضمير فقد بوصلته، أو ربما باعها بثمن بخس في أسواق المصالح.

إنه جوعٌ يتوحّش، لا يفرّق بين رضيعٍ أو شيخ، بين امرأةٍ أو رجل، يفتك بالأجساد الهزيلة، ويغرس مخالبه في أرواح لا تزال تتعلق بالحياة كأنها تتشبث بحلمٍ بعيد. في غزة، الجوع ليس احتياجًا، بل حكمٌ بالإعدام على البطيء، المؤلم، اليومي.

يبدأ من بطن طفلٍ ينام على صفيحٍ بارد دون عشاء، ولا ينتهي إلا في عيون أمٍّ تجوب الأزقة، تبحث عن ما يسد الرمق أو يسكّن بكاء صغيرها، ولا تجد.

تتحوّل الأحياء إلى خرابات موحشة، وتتجوّل الأمهات بين الأنقاض لا للبحث عن صور الذكريات، بل لعلّهن يجدن ما يُؤكل، أو ما يُشرب، أو ما يُبقي النفس متصلة بالجسد ساعةً أخرى. ومن لم يمت بالقصف، يقتله الجوع في صمت. جوعٌ يَخرِس اللسان، ويفقأ صوت الكرامة، ويترك الأب عاجزًا أمام فلذة كبده التي تتألم بصمت، لا يُجيد وصفه كل أدباء العالم.

الخبز بات حلمًا كبيرًا، والماء النظيف أمنية، وكل ما دون ذلك كنوزًا خفية. يُصبح كل شيء مستحيلاً، حتى ما نظنه بسيطًا وعاديًا، يغدو في غزة من المعجزات. لا أفران تعمل، ولا أسواق مفتوحة، ولا طرق سالكة. كل شيء مغلق، إلا بطون الجياع، وأعينهم المرفوعة نحو السماء.

الغريب في غزة، أن الناس لا يمدّون أيديهم ذلاً، بل دعاءً. لا يسألون صدقة، بل يسألون عدلًا. لا ينتحبون ضعفًا، بل يصرخون كرامة. لا يلعنون الجوع وحده، بل يلعنون هذا العالم الذي يرى ويسمع ويصمت… وكأن أرواح الفلسطينيين لا تساوي شيئًا في موازين السياسة وأجندات الدول.

هذا الجوع لم يكن ليكون، لولا الحصار. ولم يكن الحصار ليفتك، لولا السكوت. فالسياسيون يتفاوضون على الخرائط، بينما الأطفال يموتون بصمت. والمؤتمرات تتزين بالشعارات، بينما غزة تتفسخ بالجوع والبؤس. من كان بالأمس يضحك ويقسم رغيفه مع جاره، بات اليوم لا يجد ما يقدمه لصغيره، إلا صدرًا يضمه، وقلبًا يبكي في صمت.

في غزة، لا أحد يبكي جوعه بصوت مرتفع. هناك دموعٌ لا تسقط من العين، بل تُذرف في القلب، وتبقى عالقة في حناجر الرجال. هناك كرامة تُنازع الجوع كل ليلة، وتنتصر عليه بالصبر والإيمان.

غزة لا تطلب رفاهية، ولا تتسوّل خبزًا، ولا تركع جوعًا. غزة تسأل سؤالًا واحدًا: أين أنتم؟

أيها الأحرار، أيها المثقفون، أيها الأنقياء، أيها الشرفاء…

هل لا زلتم تُميّزون بين الحياة والموت؟

هل بقي فيكم من يرى أن الجوع في غزة ليس خبرًا، بل كارثة أخلاقية تُدين كل من رأى وسكت، وسمع ولم يتحرك؟

الجوع في غزة ليس عابرًا. إنه نزيف كرامة، وفضيحة حضارة، وامتحان فاشل لهذا العالم الذي يدّعي التقدم والإنسانية. إنه جوعٌ يقتل ولا يُرى، يئن ولا يُسمع، يشتدُّ ولا يُكترث له أحد.

في غزة، لا تنتهي الحياة، لكنها تُشبه الموت كثيرًا.

ومع ذلك، غزة ما زالت صامدة، لأن الكرامة هناك لا تُشترى.

وما زالت تتنفس، لأن الله لم يخذل عباده…

وما زالت تحلم، رغم أن الأحلام هناك تُولد في المقابر.

اللهم ارزقهم طعامًا لا ننتظر فيه الموت، وطمأنينة لا يشاركها القصف، ورغيفًا لا يشترى بالدم.

بقلم: مرزوق بن علي الزهراني

بقلم : مرزوق بن علي الزهراني 🇸🇦

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى