لا أثق في ترامب ولا في النتن… فالسلام عندهم مجرد هدنة بانتظار الحرب القادمة

لا أثق في بنيامين نتنياهو، ولا في أي أحد من حكومته، فالرجل الذي تلطخت يداه بدماء الفلسطينيين على مدى عقود لا يمكن أن يكون رسول سلام، ولا يمكن أن يلتزم بعهود أو مواثيق. والتاريخ شاهد على أن كل اتفاق وقعته إسرائيل كان بالنسبة لها مجرد استراحة بين حربين، ومجرد وسيلة لالتقاط الأنفاس قبل جولة جديدة من العدوان. ومن يعرف سجل إسرائيل في القدس والضفة ولبنان وسوريا وإيران واليمن وقطر، يدرك أن الغدر جزء من عقيدتها السياسية، وأنها لا تفهم من لغة السلام إلا ما يخدم أطماعها التوسعية. هذه الحقيقة ليست رأيا شخصيا ولا موقفا عاطفيا، بل خلاصة قرن كامل من التجارب والدماء.

لكنني في الوقت نفسه لا أثق في دونالد ترامب، ولا في أي شخص من حكومته، ولا في أي مسؤول أمريكي، سواء كان جمهوريا أو ديمقراطيا، حين يتعلق الأمر بالقضية الفلسطينية. فالإدارة الأمريكية، بكل تبدل وجوهها وتغير أحزابها، ظلت ثابتة على انحيازها الكامل لإسرائيل، بل ظلت تعتبر أمن إسرائيل جزءا من أمنها القومي، وعدوانها حقا مشروعا في نظرها. إن ترامب الذي يتحدث اليوم عن وقف الحرب في غزة ليس سوى نسخة أخرى من خداع السياسة الأمريكية الذي اعتدناه منذ عقود؛ كلمات منمقة في العلن، وخطط مدمرة تحاك في الخفاء. فمنذ “صفقة القرن” التي أراد بها تصفية القضية الفلسطينية، إلى دعمه الأعمى لحكومة الاحتلال، لم نر من ترامب سوى تكريسا لواقع الظلم وإعطاء الشرعية للمحتل.

اليوم يتحدث الإعلام عن أن الرئيس ترامب نجح في “إيقاف الحرب في غزة”، وأن المفاوضات جارية بين إسرائيل وحركة حماس للتوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار. وتقول التسريبات إن الشرط الأبرز بالنسبة للجانب الأمريكي والإسرائيلي هو إطلاق سراح الأسرى الإسرائيليين، أحياء وأمواتا، وهي الورقة الوحيدة التي تمتلكها حماس حاليا في المفاوضات. لكنني على يقين أن إسرائيل وأمريكا، إن حصلتا على تلك الورقة، ستعودان إلى الحرب بشكل أعنف وأكثر وحشية من السابق، لأن هدفهما النهائي لم يكن يوما السلام أو التهدئة، بل القضاء على المقاومة، وتهجير من تبقى من أهل غزة، واحتلال القطاع بالكامل. فالذي دمر البيوت على رؤوس ساكنيها، وحاصر الأطفال في مدارسهم ومستشفياتهم، لن يتوقف عند حدود اتفاق ورقي.

لقد عودتنا إسرائيل على نقض العهود كلما تحقق لها ما تريد، ولم تلتزم يوما بمواثيقها. نقضت اتفاقاتها في القدس حين واصلت التهويد وبناء المستوطنات، ونقضتها في الضفة حين حولتها إلى كانتونات محاصرة، ونقضتها في لبنان حين واصلت الاعتداءات الجوية، وفي سوريا حين اخترقت الأجواء والعواصم، وفي إيران حين اغتالت العلماء وهاجمت المنشآت. فكيف نصدق أنها ستحترم اتفاقا جديدا مع الفلسطينيين، وخاصة مع غزة التي أذلتها في السابع من أكتوبر، وحطمت أسطورة “الجيش الذي لا يقهر”؟ تلك العملية – رغم ما لي عليها من ملاحظات – كانت لحظة فاصلة في الوعي الإسرائيلي؛ كسرت الغرور وأظهرت هشاشة الكيان أمام إرادة شعب أعزل إلا من إيمانه وحقه. ومنذ ذلك اليوم، تسعى إسرائيل بكل قوتها لاستعادة هيبتها المفقودة عبر الدم والدمار، ولن تتورع عن استخدام أي خدعة أو اتفاق مؤقت لتحقيق ذلك.

أما الولايات المتحدة، فالتجربة معها لا تحتاج إلى برهان جديد. فمنذ أن نصبت نفسها “وسيطا” في القضية الفلسطينية، لم تكن يوما نزيهة ولا عادلة. أعطت إسرائيل كل شيء، من السلاح إلى الغطاء السياسي، من الدعم المالي إلى الفيتو في مجلس الأمن. في كل مرة حاول فيها المجتمع الدولي مساءلة الاحتلال عن جرائمه، كانت أمريكا أول من يقف حاجزا يمنع العدالة من الوصول. أليست هي التي نقلت سفارتها إلى القدس متحدية كل الأعراف والقرارات الدولية؟ أليست هي التي أوقفت تمويل وكالة الأونروا، وحاربت اللاجئين في لقمة عيشهم وتعليم أطفالهم؟ أليست هي التي وعدت الفلسطينيين بحل الدولتين ثم تراجعت عنه في كل إدارة جديدة، وكأنها تبيع الوهم في عبوات مختلفة الألوان؟ إن من يتحدث عن “قيم الحرية وحقوق الإنسان” بينما يسلح المحتل ليقتل بها أطفال غزة، لا يملك لا عهدا ولا ذمة.

ولذلك، لا يغرني حديث ترامب عن وقف الحرب، ولا يطمئنني صوته حين يتحدث عن “سلام تاريخي”. فكل ما يهم واشنطن وتل أبيب في هذه المرحلة هو إعادة ترتيب المشهد بما يخدم مصالحهما، حتى لو كان الثمن دماء الأبرياء. سيجلسون إلى طاولة المفاوضات مؤقتا، وسيتحدثون عن “حلول إنسانية” و”ضمانات أمنية”، لكن خططهم الحقيقية سترسم في الغرف المغلقة، على خرائط جديدة تقتطع منها أرواح الفلسطينيين قبل أراضيهم.

الثقة لا تمنح لمن جعل من الكذب سياسة ومن النفاق دبلوماسية. لا أثق في من يرى الاحتلال “حقا مشروعا”، ولا في من يقف على أطلال غزة ليخطب عن السلام. لقد أثبت التاريخ أن كل ما تحقق للفلسطينيين لم يأت من وعود الغرب، بل من صمودهم، ومن إرادتهم التي لا تقهر. ومن يراهن على صدق أمريكا أو إسرائيل كمن يراهن على السراب في الصحراء؛ كلما اقترب منه وجد أنه كان وهما يلمع في البعد.

القضية الفلسطينية لن تنتصر إلا بوعي شعوبها، لا بخداع الساسة ولا بصفقاتهم المؤقتة. فسلام يكتب في ظل القنابل ليس سلاما، وهدنة ترسم بمداد الدم ليست هدنة. إن من فقد أخلاقه لا يؤتمن على عدل، ومن خان العهود بالأمس سيخونها غدا، هذه هي إسرائيل، وهذه هي أمريكا، لا عهد لهما ولا ذمة، والتاريخ سيظل شاهدا على ذلك ما بقيت في الأرض قضية تدعى فلسطين.

بقلم : محمد سالم المختار الشيخ

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى