ترامب وجنون العظمة.. كيف تحولت واشنطن إلى مرآةٍ لغرور رجل؟

لم تعرف الولايات المتحدة الأمريكية في تاريخها الحديث رئيسا يشبه دونالد ترامب، لا في لغته ولا في سلوكه ولا في طريقة فهمه للسلطة. فالرجل القادم من عالم المال والصفقات لم يدخل البيت الأبيض بعقل رجل دولة، بل بعقل تاجر يبحث عن الربح حتى ولو خسر قيم بلاده ومكانتها وهيبتها الدولية. وهنا تكمن المأساة الحقيقية: أن يتحول جنون العظمة إلى منهج حكم، وأن تصبح الغطرسة عنوانا لسياسة دولة كانت تزعم قيادة العالم بقيم الديمقراطية والحرية لا بسياسة الإهانة والابتزاز.

ما جرى اليوم في واشنطن في استقبال الرئيس السوري عبر الباب الخلفي للبيت الأبيض ليس تفصيلا بروتوكوليا بسيطا كما يحاول البعض تبريره، بل هو صفعة دبلوماسية وسابقة فاضحة في تاريخ العلاقات الدولية. إن استقبال رئيس دولة عبر الباب الخلفي لمقر الرئاسة الأمريكية هو إهانة متعمدة ورسالة استخفاف واضحة تكشف عمق اختلال التوازن في شخصية ترامب واضطرابه في فهم رمزية المواقف السياسية. فهو يتعامل مع رموز الدول كما يتعامل صاحب المؤسسة مع موظفيه، يفتح لهم باب الخدمة ويغلق أمامهم باب الندية. والبيت الأبيض الذي كان يوما رمزا للهيبة أصبح في عهده مسرحا للتصرفات الطائشة التي لا تراعي أصول البروتوكول ولا أبسط مبادئ الاحترام المتبادل.

ترامب لا يرى نفسه رئيسا منتخبا، بل يتصرف كما لو كان إمبراطورا متوجا يريد من الجميع أن ينحنوا أمامه. لا يعرف لغة التفاهم، بل يتحدث بلغة التهديد، ولا يطلب الاحترام، بل يفرضه فرضا. لقد رأيناه في أكثر من مناسبة يوجه الإهانات العلنية لحلفائه وخصومه على السواء، وكأن الجميع مجرد أدوات في يده يحركها متى شاء. فعندما استقبل رئيس أوكرانيا فولوديمير زيلينسكي في البيت الأبيض، لم يتورع عن التعامل معه بأسلوب متعال ومهين، جلس في مكتبه متصدرا المشهد وترك ضيفه يجلس أمامه كالتلميذ أمام معلمه، يحدق فيه بنظرات ازدراء ويقاطعه دون اكتراث، كأنه يخاطب تابعا صغيرا لا رئيس دولة ذات سيادة. كان المشهد كاشفا لمدى ما يعانيه ترامب من تضخم في الأنا وفقر في الحس السياسي.

ولم تقتصر غطرسته على الخصوم وحدهم، بل امتدت إلى الحلفاء الذين كانت تربطهم بواشنطن علاقات استراتيجية راسخة منذ عقود. لقد تعامل مع كندا ودول الاتحاد الأوروبي كما يتعامل الجابي مع المدينين، لا كشركاء في المصالح. فرض عليهم ضرائب جمركية باهظة وهددهم بإجراءات اقتصادية قاسية إن لم “يدفعوا حصتهم” في الدفاع عن أنفسهم، متناسيا أن التحالف لا يدار بلغة السوق، وأن الأمن الجماعي لا يشترى كما تشترى العقارات. أهان قادة الاتحاد الأوروبي في عقر دارهم وسخر من رئيس الوزراء الكندي علنا ووصفه بالضعف وعدم الأمانة بعد اجتماع مجموعة السبع، في سابقة لم يشهدها التاريخ الحديث بين حلفاء الناتو. لقد أراد أن يظهر بمظهر الرجل القوي الذي لا يجامل أحدا، لكنه في الحقيقة كان يهدم جدار الثقة الذي بني عبر عشرات السنين بين أمريكا وشركائها.

هذا السلوك المتعجرف جعل من شعار “أمريكا أولا” الذي رفعه ترامب غطاء لسياسة “أمريكا وحدها”. فالرجل أعاد تعريف العلاقات الدولية على طريقته الخاصة: لا حلفاء دائمين، ولا التزامات ثابتة، ولا قيمة لأي اتفاق أو معاهدة. العالم عنده ساحة صفقات، والدول مجرد زبائن في دفتر تجارته السياسية. من يقبل شروطه فهو صديق مؤقت، ومن يرفض يدرج في خانة الأعداء. وحتى داخل بلاده، لا يرى في المؤسسات الدستورية سوى عوائق أمام رغباته الشخصية، فيتهم كل من يعارضه بالخيانة، ويصف الصحافة التي تنتقده بالكذب، وكأن الحقيقة ملك شخصي لا يحق لأحد الاقتراب منه.

وسط هذا المشهد العبثي، تجد سوريا الثورة نفسها أمام معادلة معقدة. فهي تدرك تماما أن واشنطن لا تتحرك إلا في دائرة مصالحها الضيقة، وأنها لا تحفظ عهدا ولا تفي بوعد إلا إن كان يخدم الكيان الصهيوني أولا. ولذلك تحاول دمشق أن تمسك العصا من الوسط، فلا تعادي أمريكا علنا ولا تثق بها تماما، مدركة أن الولايات المتحدة لا تتردد في خذلان أقرب حلفائها متى ما انتفت المصلحة، وأن من يعتمد على وعودها يبني بيتا على رمال متحركة.

المعضلة الكبرى في شخصية ترامب أنه لا يعرف كيف يكسب الآخر. فهو لا يؤمن بالدبلوماسية كفن للتواصل، بل يراها أداة إخضاع وإذلال. يظن أن العالم سينصاع له بالصوت العالي والتهديد، بينما الحقيقة أن هذا النهج لا يولد سوى الكراهية والريبة ويقوض ما تبقى من مكانة أمريكا المعنوية في عيون العالم. إنه يخلط بين الخوف والاحترام، بين النفوذ والغطرسة، بين القوة والحكمة. وتلك خلطات قاتلة لا ينجو منها حتى أصحاب الجيوش الكبرى.

لقد أثبتت تجربة ترامب أن القوة العمياء ليست ضمانا للبقاء، وأن من يتعامل مع الآخرين من موقع الاستعلاء لا من موقع الشراكة إنما يزرع بذور سقوطه بيده. فالتاريخ لا يرحم الغطرسة، والعالم لا يقاد بالتهديد بل بالحكمة. قد يظن ترامب أنه الإمبراطور الذي يخشاه الجميع، لكنه في الحقيقة يعجل بعزلة بلاده ويزرع الشك في صدقية مبادئها. ومن لا يحترم الآخرين لن يجد من يحترمه.

إن ترامب ليس مجرد رئيس متهور، بل ظاهرة تعبر عن أزمة عميقة في العقل الأمريكي نفسه، عن تآكل القيم التي قامت عليها الجمهورية، وعن انحراف البوصلة التي كانت تجعل من واشنطن مركز الثقل في النظام الدولي. وما لم تدرك أمريكا أن الزعامة لا تفرض بالقوة بل تكتسب بالثقة، فإن نهايتها لن تأتي من الخارج، بل من داخلها، على يد من ظن أنه يجعلها عظيمة من جديد بينما كان في الحقيقة يسحبها ببطء نحو هاوية الغطرسة والجنون.

بقلم : محمد سالم المختار الشيخ

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى