عدل مقاسات النظارة فالدنيا دوارة غدارة
الدنيا دوّارة، يوم لك ويوم عليك. ليست مجرد عبارة تتداولها الألسن، بل حقيقة لا مفر منها، وتجارب البشر شاهدة عليها منذ القدم. فالحياة تبتسم لك أحيانًا، ثم تدير لك ظهرها فجأة، لتختبر صبرك وثباتك أمام تقلباتها. وما بين ضحكها وبكائها، يتعلم الإنسان الدرس تلو الآخر، محاولًا فهم فلسفة هذه الغدارة التي لا يمكن الوثوق بها بالكامل.
مشهد الأحوال مختلف. من كان بالأمس في القمة، قد يترنح اليوم على هامش الحياة، يبحث عن بصيص أمل يعيد له بعض بريقه القديم. ومن كان مهمومًا مثقلاً بالهموم، قد تجد الدنيا تدور لتضعه في موضع الكرامة والرفعة. وهكذا تتقلب الأدوار، فلا الغنى يدوم، ولا الفقر يخلد، ولا السرور يُكتب له البقاء.
الشاعر الحكيم وصف الطبيعة الحقيقية للدنيا بقوله:
طبعت على كدر وأنت تريدها
صفوا من الأقذاء والأكدار
الدنيا ليست نقية من المنغصات، ولا خالية من الهموم، بل هي دار كدر بطبعها. والسعادة الحقيقية ليست في غياب الألم، بل في القدرة على التعايش معه بحكمة ورضا.
الغدر الحقيقي ليس فقط في تقلب الأحوال، بل في غرور الإنسان الذي يظن أنه سيدها، وأن ما في يده ثابت. وما أن يطمئن إلى ما يملك، حتى تفاجئه الحياة بضربة تذكّره بضعفه، وتعيده إلى حقيقة كونه مخلوقًا يتقلب بين أقدار الله. وهنا يظهر جمال الصبر، حين يتعامل الإنسان مع قسوتها برضا، ويقابل تقلبها بحكمة.
ومن عظمة الله أنه لا يبتلي الإنسان عبثًا، ولا يخذله إلا ليمنحه درسًا يبقى أثره في القلب ما بقي العمر. كل ضربة موجعة تحمل رسالة خفية، تفتح بابًا جديدًا للعبرة والتأمل. وحين يمر الإنسان بتجربة الفقد أو الخذلان، يكتشف أن الله أبدله خيرًا مما فقد، وأراه حكمة لم يكن يدركها من قبل.
الله في عدله ورحمته يجعل من كل محنة منحة، ومن كل كسر ترميمًا للروح، ومن كل دمعة مطرًا يغسل ما تراكم من غفلة وقسوة. حين يخذلك الناس، يقربك الله إليه، وحين تنكسر أمام الحياة، يمنحك القوة التي لم تكن تعلم أنك تملكها. الألم طريق للبصيرة، والانكسار بداية للنهوض من جديد بثوب الحكمة واليقين.
ولأنها دوارة، فلا ينبغي لأحد أن يتكبر على غيره، ولا أن يستهين بمن هو دونه. فرب لحظة تقلب الموازين، وتحول الضعيف قويًا، والغني فقيرًا. وما أكثر من ارتقوا من القاع، وما أقل من ثبتوا على القمة دون أن تزل أقدامهم. العبرة ليست بالبداية، بل بالقدرة على الثبات حين تهتز الأرض تحت أقدامنا.
الدنيا ميدان اختبار للقلوب. ترفع بأمر الله من يشكر، وتخذل من يغتر، يمنح بها الله ويمنع، تفرح وتؤلم، وهي تذكرنا دائمًا بأن البقاء لله وحده. الدنيا دوارة غدارة، لكنها عادلة بأمر الله. الذي يعطي ليعلم، ويمنع ليطهر، ويبدل الأحوال ليؤكد أن الثبات على القيم والإيمان هو الملاذ الأخير للإنسان.
وتأسيسًا على ما سبق، فإن الإنسان الحكيم هو من يدرك حقيقة الدنيا، ويعرف كيف يتعامل مع دورانها دون أن يفقد اتزانه أو يقسو قلبه. ومن هنا، تأتي الحكمة الكبرى: الحياة متقلبة، لكنها تعلمنا كيف نرى الواقع بوعي وثبات، وكيف نستخلص منه الدروس والعبر.
بقلم: مرزوق بن علي الزهراني




