اتحاد المغرب العربي بين غنى الموارد وضعف التكامل.. معادلة تنتظر الحل

في مثل هذا الوقت من كل عام، وتحديدا في السادس عشر من فبراير، تحل علينا ذكرى تأسيس اتحاد دول المغرب العربي، هذا الكيان الذي ولد من رحم التاريخ والجغرافيا المشتركة، ومن وجدان شعوب تجمعها وحدة المصير واللغة والدين والثقافة. لقد كان إعلان مراكش سنة 1989 لحظة فارقة في مسار المنطقة، إذ عبر عن إرادة صادقة لبناء فضاء مغاربي موحد، ينهض على أسس التعاون والتكامل بين خمس دول هي موريتانيا والمغرب والجزائر وتونس وليبيا. لم يكن الهدف حينها إنشاء منظمة شكلية تضاف إلى أرشيف الاتفاقيات العربية، بل كان الحلم أبعد من ذلك: إقامة منظومة مغاربية متماسكة، قادرة على مواجهة التحديات الإقليمية والعالمية، واستثمار الثروات المشتركة في خدمة شعوبها.
إن قيمة اتحاد المغرب العربي لا تقاس بعدد الاجتماعات ولا بتوقيع البروتوكولات، وإنما بما يحمله من أمل في وحدة اقتصادية واجتماعية وإنسانية تعيد للمنطقة مكانتها ودورها. فالدول الأعضاء تمتلك من المقومات ما يجعلها من أغنى التكتلات المحتملة في العالم العربي والإفريقي؛ موارد نفطية وطاقوية ضخمة في الجزائر وليبيا، وإمكانات زراعية وصناعية متقدمة في المغرب وتونس، وموقع جغرافي استراتيجي لموريتانيا يربط إفريقيا بالعالم الأطلسي. إن توحيد هذه الطاقات في إطار تكامل اقتصادي حقيقي كفيل بتحويل المنطقة إلى قوة اقتصادية كبرى، قادرة على التفاوض بندية مع الشركاء الدوليين، وجذب الاستثمارات، وتوفير فرص العمل، وتعزيز التنمية المستدامة التي تمس حياة المواطن المغاربي. كما أن البعد الاجتماعي والثقافي للاتحاد يمثل ركيزة لا تقل أهمية، إذ يسهم في ترسيخ الهوية المشتركة وتسهيل تنقل الأفراد وتعميق التواصل بين النخب العلمية والثقافية.
لقد أصبح العالم اليوم يعيش زمن التكتلات الكبرى، حيث لم يعد هناك مكان للكيانات المنعزلة أو السياسات الضيقة. فالقوة لم تعد تقاس بحجم الدولة أو ثرواتها الفردية، بل بقدرتها على الاندماج ضمن منظومات تعاون إقليمي متين. والنماذج أمامنا كثيرة؛ فالاتحاد الأوروبي الذي جمع دولا كانت بالأمس متصارعة، صار اليوم من أقوى الأقطاب الاقتصادية والسياسية في العالم. ومجموعة آسيان في جنوب شرق آسيا وحدت مصالح عشر دول نامية لتصبح من أسرع المناطق نموا وازدهارا. وكذلك الاتحاد الإفريقي الذي يسعى بخطى واثقة نحو سوق قارية موحدة تعزز استقلال القرار الاقتصادي والسياسي. فكيف لنا، نحن أبناء المغرب العربي الذين نتقاسم اللغة والتاريخ والدين، أن نظل متفرقين في زمن تتقارب فيه حتى الأمم البعيدة جغرافيا وثقافيا؟ إن منطق العصر يفرض علينا أن نؤمن بأن لا قوة بدون تكتل، ولا مستقبل بدون اتحاد.
إن ذكرى تأسيس اتحاد المغرب العربي يجب ألا تختزل في احتفال رمزي أو استذكار بروتوكولي، بل ينبغي أن تكون محطة للتأمل والمراجعة وتجديد الالتزام بالمشروع المغاربي. فالتحديات التي تواجه منطقتنا، من بطالة وهجرة وأزمات اقتصادية وتغيرات دولية متسارعة، لا يمكن لأي دولة أن تتصدى لها بمفردها. الحل يكمن في تنشيط مؤسسات الاتحاد، وإعادة الثقة بين الشعوب، وفتح آفاق التعاون الاقتصادي والثقافي والأمني بما يخدم المصالح المشتركة. فالوحدة ليست ترفا سياسيا بل ضرورة وجودية، وهي السبيل الوحيد لبناء مستقبل آمن ومستقر للأجيال القادمة.
إن اتحاد دول المغرب العربي ليس مجرد مشروع سياسي مؤجل، بل هو فكرة تنبض بالحياة في قلوب الملايين من أبناء المنطقة، الذين يؤمنون بأن مصيرهم واحد مهما تباينت المسارات. فليكن السادس عشر من فبراير موعدا لتجديد العهد مع هذا الحلم الجميل، ولتدرك كل دولة أن زمن التفرد قد ولى، وأن العالم لا يعترف إلا بالقوة الجماعية. فالتاريخ لا ينتظر المتقاعسين، والمستقبل لا يمنح إلا لمن يملك الإرادة لبنائه، ومهما طال الطريق فإن الوحدة المغاربية ستظل حلما مشروعا وأملا متجددا يستحق أن نعمل جميعا من أجله.
بقلم : محمد سالم المختار الشيخ




