من بايدن وترامب إلى نتنياهو: صناعة كيان فوق القانون وفوق العالم

ما وصلت إليه إسرائيل اليوم ليس مجرد انحراف طارئ في سلوك دولة تعيش صراعا مفتوحا؛ بل هو تحول خطير في بنية القوة داخلها وفي طبيعة علاقتها بالقانون الدولي، صنعته بيئتان سياسيتان متتابعتان في واشنطن خلال إدارتي بايدن وترامب، حيث اختلط الدعم العسكري غير المحدود بالتغطية الدبلوماسية الكاملة، فتحولت إسرائيل إلى كيان يعتقد أنه يمتلك تفويضا مفتوحا لا يقيده قانون ولا تراجعه شرعية ولا تحده قواعد اشتباك.
الجرائم التي ارتكبت في قطاع غزة ليست مجرد تجاوزات حرب، بل نمط إبادة متدرج، وعمليات قصف عشوائي ومباشر ضد المدنيين، لم تستثن طفلا ولا امرأة ولا شيخا ولا جريحا ولا مريضا. ثمة استهداف شامل للبنى التحتية المدنية: مستشفيات، مدارس، جامعات، شبكات مياه وكهرباء، مساجد وكنائس، ومساكن سويت بالأرض على رؤوس ساكنيها. حجم الدمار يكشف رغبة واعية في إخضاع مجتمع بأكمله عبر سياسة الأرض المحروقة. حتى الحيوانات والبيئة لم تسلم من شهوة التدمير، ما يؤكد أن السلوك ليس عسكريا بقدر ما هو مشروع محو، تتعامل فيه إسرائيل مع غزة كمساحة خارج الإنسانية.
الدعم الأمريكي والغربي أتاح للحكومة اليمينية الإسرائيلية هامشا لم يحظ به كيان في العصر الحديث. لم يعد ثمة وزن لقرارات الأمم المتحدة ولا للاتفاقيات الثنائية، ولم تعد إسرائيل تخفي شعورها بالتفوق المطلق. صارت تقصف حيث تشاء، في التوقيت الذي تشاء، ضد من تشاء، دون اكتراث بردود الفعل أو الحسابات الدبلوماسية. إنه سلوك دولة ترى نفسها فوق المجتمع الدولي، تتعامل مع القانون الدولي كعتبة يمكن تجاوزها بخفة، وتستند في ذلك إلى حلفاء يضمنون لها أن ثمن الجرائم لن يدفع أبدا.
الحكومة القائمة، بقيادة نتنياهو وبن غفير وسموتريتش، تعكس أقصى تجليات اليمين الديني–القومي المتطرف الذي لا يرى في العرب سوى عقبة وجودية، ولا يرى في الفلسطينيين سوى فائض بشري يجب التخلص منه، إما بالإبادة البطيئة أو بالتهجير القسري. هذه الحكومة لا تعترف بالسلام أصلا، ولا تخفي إيمانها بأن السيطرة لا تنتزع إلا بالقوة، وأن إحراق المنطقة ثمن مقبول لتحقيق رؤيتها العقائدية. وما تكشفه التقارير عن عمليات اغتصاب الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية يفضح الانحطاط الأخلاقي الذي وصل إليه الجهاز الأمني، ويؤكد أن المشكلة لم تعد في الاحتلال بحد ذاته، بل في اضمحلال الحد الأدنى من القيم داخل منظومته.
ما يجري في لبنان وسوريا ليس أقل خطورة. إسرائيل تنفذ ضربات متتالية، بلا تفويض، بلا مساءلة، بلا اعتبار لسيادة الدول أو لقواعد النزاع المسلح. لقد تحولت الحدود الشمالية وساحات الجوار إلى مسرح تمارس فيه إسرائيل ما تشاء من دون أي التزام سياسي أو قانوني، وكأن المنطقة مكشوفة أمامها بالكامل. هذا التمدد العسكري يعكس ثقة مرضية، مبنية على قناعة بأن الردود الإقليمية والعربية محكومة بسقف منخفض لن يتغير مهما بلغ حجم العدوان.
في ظل هذا الواقع، يصبح استمرار التعويل على المبادرات القديمة نوعا من الرومانسية السياسية التي لا تتوافق مع حقائق القوة. فكرة السلام مع إسرائيل – بالصيغة التي طرحت منذ عقود – تبدو اليوم وهما لا سند له. المبادرة العربية للسلام فقدت أساسها، لأن الطرف الآخر لا يريد سلاما ولا يعترف بحقوق العرب ولا بحق الشعب الفلسطيني. حل الدولتين نفسه تحول إلى جسر بلا ضفة، بينما الوقائع على الأرض تنشئ واقعا أحادي الجانب يبتلع الأرض والحقوق معا.
إن إعادة تقييم العلاقة مع إسرائيل ضرورة وجودية للعرب والمسلمين، وليس خيارا سياسيا. ولا يمكن لهذه المراجعة أن تكون ذات جدوى ما لم تترافق مع إعادة بناء أدوات الضغط على الولايات المتحدة، باعتبارها اللاعب الوحيد القادر على كبح إسرائيل، أو إطلاق يدها. الضغط الاقتصادي والسياسي والدبلوماسي على واشنطن ليس مغامرة، بل جزء من معادلة القوة التي أهملها العرب طويلا. وإن وصل الأمر إلى إعادة النظر في العلاقات الاستراتيجية، فذلك ليس خروجا عن المنطق، بل عودة إلى منطق توازن المصالح.
الخلاصة أن المنطقة تقف أمام لحظة مفصلية. إسرائيل تعربد بلا سقف، محصنة بقوة حليف دولي، ومسنودة بأيديولوجيا متطرفة ترى الدم وسيلة والسيطرة غاية. والعرب والمسلمون أمام مسؤولية تاريخية: إما إعادة صياغة معادلة القوة بما يفرض توازنا جديدا، أو ترك المنطقة تقاد نحو مستقبل شديد الخطورة، تمحى فيه حدود، وتسحق فيه شعوب، ويستمر فيه الاحتلال باعتباره قدرا لا يراجع ولا يقاوم.
بقلم : محمد سالم المختار الشيخ
نواكشوط/موريتانيا




