أكثر من عشرة أيام بلا رد… هل بدأت منصة “عين” تفقد بوصلة الانصاف؟!

منذ إطلاقها، شكلت منصة “عين” الحكومية بارقة أمل حقيقية في علاقة المواطن بالمؤسسة، وواحدة من أنضج مبادرات الشفافية الرقمية التي دشنتها الدولة في السنوات الأخيرة.

كان المواطن العادي يرى فيها يدا ممدودة، وصوتا ينصت، ونافذة لا تغلق بوجه المظلوم.

وقد صدقت هذه التطلعات في حالات كثيرة، حيث أظهرت المنصة سرعة استجابة، ودقة في التعامل، ومهنية في الردود، وهو ما شجع الآلاف على استخدامها بثقة عالية.

لكن، وبين التفاؤل العارم والواقع المتفاوت، بدأت تتسرب إلى الساحة أسئلة ثقيلة وحرجة، أبرزها:

هل ما زالت “عين” ترى الجميع بنفس الدرجة من الاهتمام؟

وهل ظلت المنصة على نفس المسافة من جميع الشكاوى، دون تمييز أو تأخير أو تجميد؟

الجواب – للأسف – ليس مطمئنا دائما.

فمن يراقب أداء المنصة اليوم، يلحظ – دون كثير عناء – تفاوتا بينا في سرعة الرد وجودته، بل وحتى في تعامل الجهات المكلفة بالرد مع القضايا المعروضة.

ففي بعض الملفات، لا تستغرق الاستجابة أكثر من ساعات، وتكون الردود شاملة، دقيقة، مدعومة بوثائق وتوضيحات، بينما في ملفات أخرى – وهي ليست قليلة – ينتظر المواطن أياما دون رد واضح، وإن جاء، فقد يطلب منه إعادة تقديم شكواه من جديد، وكأن الزمن الذي مر مجرد هامش يمكن حذفه، وكأن التوتر النفسي الذي عاشه لا قيمة له!

وهنا تطرح علامات الاستفهام نفسها بقوة:هل التأخير ناتج عن ضغط العمل؟ أم عن بطء في إحالة الملفات داخل بعض القطاعات؟ أم عن انتقائية في الاهتمام؟

ولتبسيط الصورة، دعونا نعود إلى نموذج واقعي حديث:

مجموعة من عمال الشركة الموريتانية لتوزيع الأسماك، تقدمت – عبر منصة “عين” – بطلب إنصاف، على غرار ما تم مع عمال التلفزة والإذاعة وشركة صوملك، مطالبين بتسوية أوضاعهم الإدارية.

تفاعلت المنصة سريعا، وردت بأن هؤلاء العمال لديهم عقود، وأن الشركة لم تخل بشروطها.

لكن المفاجأة أن هؤلاء العمال أنفسهم لا علم لهم بوجود هذه العقود إطلاقا!

وردوا برسالة عبر المنصة، أوضحوا فيها موقفهم، مؤكدين أن العقود المذكورة لا وجود لها في الواقع.

وهنا، تدخل طرف مجهول – يعتقد أنه جهة مسؤولة أو نافذة – اتصل ببعض العمال، لم يعرف بنفسه، لكنه ترك فيهم شعورا بأن هناك ضوءا في آخر النفق. قال إن تحقيقا فتح لكشف الحقيقة.

وبالفعل، بدأت تتضح بوادر تسوية داخل الشركة، وبدت الإدارة وكأنها تتحرك باتجاه تصحيح الخلل وإنصاف هذه الفئة التي أسهمت بعرقها وصبرها في صعود الشركة إلى مصاف أبرز المؤسسات الوطنية اليوم.

لكن ما يثير الغرابة – وربما القلق – أن منصة “عين”، حتى الآن، لم تحدث أي جديد في ملف الشكوى، ولا يزال تصنيف الطلب على وضعية “قيد المعالجة”، منذ أكثر من عشرة أيام كاملة، بلا رد واضح، ولا حسم نهائي، ولا تفسير مقنع.

منصة “عين” ليست مجرد تطبيق أو إجراء رقمي… إنها مرآة لوجه الدولة.

وإذا اختلت هذه المرآة أو تعرضت لغبش أو تسويف، فإن ثقة المواطن في العدالة وحيادية المؤسسات ستتعرض بدورها للاهتزاز.

وهنا، يصبح السؤال مشروعا:

أين المتابعة العليا؟

وأين عين الدولة التي تراقب أداء “عين”؟

وهل من المقبول أن تتحول أداة أنشئت لنصرة المظلومين إلى مساحة ترقب وانتظار وقلق؟

إن الواجب يقتضي أن تكون هذه المنصة بعيدة كل البعد عن الاصطفاف،والمزاجية،والبيروقراطية القاتلة.

وما دامت قد ولدت من رحم رؤية إصلاحية يقودها الوزير الأول السيد المختار ولد أجاي، فإن من حق المواطنين أن تكون تحت عينه مباشرة، وبإشرافه المباشر، حتى لا تضيع الحقوق في زحمة الردود، أو تتيه المطالب بين تبويب الملفات.

فمنصة “عين” مشروع دولة، لا مشروع إدارة.

وهي وعد بالعدل، لا واجهة إلكترونية فحسب.

فلتفتح “عين” مرة أخرى… ولكن هذه المرة لتراقب نفسها.

بقلم : محمد سالم المختار الشيخ

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى