البلطجة الأميركية… إغلاق المجال الجوي الفنزويلي نموذجا ؟

يشكل إعلان الإدارة الأميركية إغلاق المجال الجوي فوق فنزويلا ومحيطها سابقة جديدة في سجل «السياسات القسرية أحادية الجانب» التي باتت واشنطن تتوسع في توظيفها خارج أي غطاء قانوني دولي. فالإجراء – مهما جرى تزيينه بخطاب مكافحة المخدرات أو حماية الأمن القومي – يتجاوز في بنيته ما تسمح به قواعد الملاحة الجوية الدولية، ويقترب في جوهره من ممارسة نفوذ خارج الحدود، تتداخل فيه القوة الصلبة مع محاولات إعادة هندسة المشهد السياسي في فنزويلا بوسائل غير دبلوماسية.
على المستوى القانوني، تعد سيادة الدولة على مجالها الجوي مبدأً راسخا منذ اتفاقية شيكاغو 1944، التي لم تترك مساحة رمادية تتيح لدولة ما فرض قيود فوق إقليم دولة أخرى دون موافقتها. وبناء عليه، فإن قرار الإغلاق لا يمكن تبريره ضمن مفهوم الحق في الدفاع الشرعي؛ إذ لا وجود لخطر مسلح آني صادر من الدولة المعنية. كما أنه لا يندرج ضمن التفويض الأممي، لأن مجلس الأمن لم يصدر قرارا يجيز إجراءات من هذا النوع. وبكلمات قطاع الأعمال: واشنطن اتخذت مبادرة «خارج إطار الحوكمة العالمية» ومضت في تنفيذها دون الرجوع إلى مجلس الأمن بوصفه «مجلس الإدارة الدولي».
إلى جانب ذلك، يتشابك الإجراء مع حشد عسكري لافت في منطقة الكاريبي، شمل نشر أكبر حاملة طائرات أميركية وتنفيذ غارات متتابعة بذريعة اعتراض قوارب مشتبه بها. ويبدو أن هذا التوسع في القوة البحرية والجوية يتجاوز حدود إدارة المخاطر التشغيلية المتعلقة بتجارة المخدرات، ويتحول تدريجيا إلى رافعة ضغط جيوسياسي على حكومة نيكولاس مادورو. اللافت أن الخطاب الأميركي نفسه يربط بين عمليات «الردع» و«الاستعداد لعمل بري»، بما يعكس انتقالا من «إدارة الأزمات» إلى «هندسة الواقع»، وهي قفزة يعرف الخبراء أنها مكلفة سياسيا واقتصاديا، حتى لو حاولت واشنطن بيعها للرأي العام كخطة أمنية بحتة.
أما السردية التي تربط فنزويلا بعصابات الجريمة المنظمة، وتصنيف «كارتيل دي لوس سوليس» كتنظيم إرهابي أجنبي، فهي جزء من إستراتيجية أوسع تعرف في علم العلاقات الدولية بـ التكييف المعياري (Normative Framing)؛ أي إعادة صياغة صورة الطرف الآخر بحيث يصبح استهدافه مقبولا، وربما مستساغا لجزء من المجتمع الدولي. غير أن هذا النهج، وإن بدا فعالا على مستوى العلاقات العامة، يصطدم قانونيا بغياب أدلة قاطعة، وبمعارضة متنامية من دول ترى في السياسات الأميركية الأخيرة خرقا لمبدأ عدم التدخل وتهديدا للاستقرار الإقليمي.
من زاوية تحليل الأعمال، يمكن قراءة الخطوة الأميركية كعملية «استحواذ على المجال الجوي» دون صفقة، أو كإطلاق «منتج جيوسياسي جديد» دون المرور بدورة الاعتماد المؤسسي. والنتيجة: سوق إقليمي مرتبك، بيئة تشغيلية عالية المخاطر، وشعور متزايد بأن واشنطن تستخدم أدواتها العسكرية كوسيلة ضغط توجيهي وليس كآلية ردع متوازنة. وحتى لو ضحكنا قليلا – بحسن نية – يمكن القول إن الإدارة الأميركية تعاملت مع السماء الفنزويلية وكأنها «سحابة بيانات» على منصة خاصة، وليست مجالا جويا ذا سيادة لدولة عضو في الأمم المتحدة!
في المحصلة، يعيد هذا النموذج طرح سؤال قديم-جديد: إلى أي مدى يمكن لقوة كبرى أن تتصرف منفردة خارج الأطر القانونية دون أن تتحمل تكلفة سياسية دولية؟ الجواب – كما يبدو – في طور التشكل. لكن المؤكد أن فنزويلا، رغم الضغوط، تمتلك حقا قانونيا أصيلا في رفض هذا الإجراء، وأن المجتمع الدولي مدعو إلى تقييم خطورته، ليس فقط على كاراكاس، بل على هيكل النظام الدولي نفسه، الذي قد يتحول – إن استمرت هذه المقاربات – إلى سوق مفتوح لمنطق القوة لا لمنطق القانون.
بقلم : محمد سالم المختار الشيخ




