وطن يحتفل… وصوت خلف القضبان يهزم الصمت

في كل عام، تعود ذكرى الاستقلال محملة بما يشبه الضوء القديم؛ ضوء يجعل الوطن ينظر في مرآته لا ليرى الماضي فحسب، بل ليمتحن الحاضر أيضا. هذه الذكرى ليست احتفالا شكليا، بل لحظة تتقاطع فيها صورة الدولة وصوت الإنسان، ويظهر فيها ما اكتمل وما تأخر، وما يجب أن يستعاد قبل أن ترفع الأعلام على سطوح البيوت.

في هذا العام تحديدا، تأتي الذكرى محاطة بصمت ثقيل؛ صمت لا يصنعه الغياب وحده، بل تصنعه تلك الأسئلة العميقة التي تتسلل إلى ضمير المجتمع: أي معنى نحتفي به حين يحرم الوطن من أحد أصواته؟ وكيف تكتمل فرحة الاستقلال وهناك أسرة تخوض صراعها مع الانتظار، وأب يميل جسده نحو السرير كمن فقد سنده، وأطفال يتعلمون شكل الغياب قبل أن يتعلموا شكل الأمل؟

غياب الصحفي حبيب حرمه عبد الجليل لا يشبه أي غياب. فهو ليس حكاية فرد أخطأ أو أصاب، بل حكاية بيت اختل توازنه، وحكاية صوت فقد مكانه الطبيعي، وحكاية وطن يختبر إن كان قادرا على صون استقلاله الأعمق: استقلال العدالة عن القسوة، واستقلال الدولة عن الغلظة حين يصبح الإنسان في قلب المعادلة.

الصحفي ليس موظفا عاديا. إنه حامل مرآة، يلتقط ما لا يراه الآخرون، ويضعه أمام المجتمع بجرأة مهنية. قد يختلف الناس حول رأيه أو طريقة طرحه، لكنهم لا يختلفون حول دوره. فإسكات الصوت لا يصنع الهدوء، بل يصنع فجوة. والفجوة كلما اتسعت، ازدادت الحاجة إلى صوت يعاد إلى مكانه.

في بيوت الداخل الموريتاني، بعيدا عن العاصمة وضجيج السياسة، هناك وجوه ترهقها الأيام. أب يشيخ في صمت، يعيد ترتيب أدويته كل صباح وكأنه يحسب بها الزمن الذي فقد. أم تخاطب الليل كمن يفاوضه على بضعة ساعات من الاطمئنان. أطفال ينامون على وسائد لا تعرف حرارة يد أبيهم. هؤلاء هم الطرف الآخر من القضية، الطرف الذي لا يحمل ملفات ولا مرافعات، لكنه يحمل وزنا أثقل من أي ورقة: وزن القلب.

في ذكرى الاستقلال، يصبح هذا الوزن جزءا من المشهد الوطني نفسه. فالاستقلال ليس فقط ذكرى خروج أجنبي وقيام دولة، بل ذكرى خلق ميزان أخلاقي يفترض ألا يختل. كل عام نحتفل بما صنعه الآباء، لكن هذه المناسبة ليست حنيناً فقط؛ إنها أيضا مساحة لإعادة النظر في ما ينبغي أن نصنعه نحن.

وهنا، تتقدم قضية حبيب كاختبار ناضج لمدى قدرة الدولة على تحويل القانون إلى عدالة، والعدالة إلى رحمة، والرحمة إلى قرار يليق بتاريخ بلد لم يهن يوما في الدفاع عن كرامته.

إطلاق سراح حبيب ليس تنازلا ولا مفاضلة، بل فعل دولة قوية تدرك أن الإنسان أهم من الإجراءات، وأن الوطن لا يكبر إلا حين يشفى أحد جراحه. إنه قرار يعيد التوازن لعائلة، ويعيد المهنية لصاحبها، ويعيد للدولة ثوبها الأجمل: ثوب الحكمة.

في لحظة كهذه، قد يكون أجمل ما تهديه موريتانيا لنفسها في عيد استقلالها، أن تعيد أحد أبنائها إلى حضن بيته. أن تسمح للأب المريض أن يستعيد سنده، وللأم أن تنام ليلة بلا قلق، وللأطفال أن يجدوا أمامهم وجها لا صورة.

فالاستقلال الحقيقي ليس ذكرى تتلى، بل فعل يتجدد.

وما من فعل أنبل في هذا اليوم من أن يعود صحفي إلى أسرته… وأن يعود الوطن إلى أجمل ما فيه: قدرته على احتضان أبنائه مهما اختلفت طرقهم.

محمد سالم المختار الشيخ

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى