إساءة مزعومة… تكشف إفلاس خصوم السعودية

يتداول في هذا اليوم على منصات التواصل سيل من الادعاءات والتأويلات المشحونة، مصدرها فئة مأزومة نفسيا، فقيرة في تحصيلها الديني، ومندفعة في غلوها المذهبي، يختلط في خطابها الضجيج بالعداء، والتشويه بالافتراء. هذه الفئة، التي يتقاطع عندها الجهل مع الأدلجة، تحاول استثمار كل شائعة لتصفية حسابات قديمة، ولو على حساب الحقائق واللياقة والاتزان. ومن بين ما روجته أخيرا، تصريح منسوب للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، قيل إنه يتضمن إساءة وقلة أدب في حق ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، وهو كلام إن صح فإنه مما يأنف اللسان عن ترديده، فضلا عن قبوله أو تبريره.
غير أن التمحيص الهادئ يثير قدرا كبيرا من الشك في صحة هذا الادعاء، فالرجل الذي يعرف عنه تعامله المباشر مع القيادة السعودية، وإقراره المتكرر بثقلها السياسي والاقتصادي، ليس من السهل أن ينقلب فجأة إلى هذا المستوى من الانحدار في الخطاب، خاصة إذا استحضرنا مشاهد الاستقبال الرسمي الأخير في البيت الأبيض، والذي عكس قدرا لافتا من التقدير والاحترام، بل ووصف بأنه من بين الأكثر فخامة في تاريخ تلك المؤسسة. مثل هذه الوقائع لا تنسجم مع رواية سوقية متداولة في فضاءات مشحونة أصلا بالتضليل.
ومع ذلك، فإن افتراض صحة التصريح لا يغير من جوهر المعادلة كثيرا، فالرئيس الأمريكي المذكور عرف بأسلوبه الحاد، واندفاعه اللفظي، ونزعته المتعجرفة التي لا تخلو من فجاجة. هو نموذج لسياسي تشكل في بيئة الأعمال، يتقن حساب الربح والخسارة، لكنه يفتقر في كثير من الأحيان إلى لغة الدولة الرصينة وأخلاقيات المنصب الرفيع. هذا التناقض بين الحنكة الاقتصادية والخفة السياسية يجعل مواقفه عرضة للتقلب، وخطابه عرضة للانزلاق، دون أن يلغي إدراكه العميق لمصالح بلده وتحالفاته الاستراتيجية.
وفي قراءة أوسع، فإن وجود شخصية بهذه المواصفات في قمة هرم القوة العالمية لا يخلو من دلالات تتجاوز الفرد إلى السياق، إذ قد يكون في ذلك وجه من أوجه التدبير الإلهي الذي تتكشف حكمته عبر الوقائع. فقد شهدت المنطقة في عهده تحولات كبرى، وتبدلات حاسمة في موازين الصراع، وكان من نتائجها سقوط مشاريع طغيان طال أمدها، وانكشاف أنظمة مارست أبشع صور القمع بحق شعوبها. هذه التحولات، مهما اختلفت القراءات حول دوافعها، تظل شاهدا على أن مسارات التاريخ لا تختزل في أخلاق الأفراد وحدها، بل تتقاطع فيها الإرادات والمصالح والسنن.
أما المملكة العربية السعودية، فقد رسخت موقعها بوصفها رقما صعبا في المعادلة الدولية، بفضل ما تمتلكه من ثقل اقتصادي هائل، ورؤية استراتيجية طموحة أعادت صياغة دورها إقليميا وعالميا. هذا الصعود لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة قيادة واعية، وبرامج إصلاح عميقة، جعلت من الدولة نموذجا متقدما في التحول والتحديث، وقوة جذب في الاقتصاد والاستثمار. ومن هذا المنطلق، فإن أي إساءة عابرة، إن صحت، لا يمكن أن تنال من هذا المسار، ولا من رمزيته.
وفي المحصلة، لا يضر الأمير محمد بن سلمان ما تتداوله تلك الأصوات المأزومة، ولا ما تبنيه على الشائعات من أوهام. فالمكانة تبنى بالفعل لا بالقول، والتاريخ لا يكتبه العابرون في فضاءات افتراضية مضطربة. وما نسب اليوم إلى ترامب في هذا السياق، نترفع عن ذكره لما فيه من ابتذال، كما أن الشك لا يزال قائما حول صحته، وهو شك مشروع في زمن تتكاثر فيه الأكاذيب بقدر ما تتسارع فيه وسائل نشرها.
محمد سالم المختار الشيخ/موريتانيا




