الدبلوماسية والبعد الإنساني.. قراءة في تجربة السفير السعودي السابق في موريتانيا الدكتور هزاع المطيري

لا تقاس الدبلوماسية الحقيقية بما ينجز داخل الغرف المغلقة من مراسلات وتقارير وبروتوكولات رسمية، بل تقاس بما يترسخ في الذاكرة الإنسانية من أثر، وبما يبقى من انطباع في وجدان الشعوب بعد أن تطوى الصفحات ويغادر الأشخاص مواقعهم. وفي هذا المعنى تحديدا، تبرز تجربة السفير السعودي السابق في موريتانيا الدكتور هزاع بن زبن المطيري بوصفها حالة متفردة لا يمكن اختزالها في وصف وظيفي أو فترة زمنية محدودة، بل باعتبارها نموذجا متكاملا في تحويل العمل الدبلوماسي من إطار إجرائي جامد إلى مساحة إنسانية رحبة، تتداخل فيها المهنية مع الأخلاق، ويجتمع فيها الرسمي بالإنساني في صيغة واحدة متماسكة.
لم تكن فترة عمله في موريتانيا بين عامي 2016 و2021 مجرد مرحلة من مراحل التمثيل الدبلوماسي التقليدي، بل كانت زمنا مختلفا في تفاصيله وإيقاعه وأثره، أعاد تشكيل صورة السفير في الوعي العام، وقدم نموذجا يتجاوز المفهوم الشائع للدبلوماسية بوصفها إدارة للعلاقات بين الدول، إلى مفهوم أعمق يقوم على إدارة العلاقات بين البشر أنفسهم. فقد بدا حضوره منذ البداية حضورا هادئا في الشكل، لكنه عميق في المضمون، يجمع بين وقار المسؤولية الرسمية ودفء الشخصية الإنسانية، حتى غدت تجربته أقرب إلى مدرسة قائمة بذاتها في “الدبلوماسية القريبة من الناس”، تلك التي لا تكتفي بالتمثيل، بل تنخرط في بناء جسور الثقة والاحترام المتبادل على المستوى الإنساني المباشر.
وفي عهده، لم تكن السفارة السعودية في نواكشوط مجرد مؤسسة دبلوماسية تؤدي مهامها الروتينية في إصدار التأشيرات وإنهاء المعاملات وتلقي المراجعين، بل تحولت تدريجيا إلى فضاء مفتوح للعلاقة الإنسانية قبل أن تكون مؤسسة إدارية، وإلى نقطة التقاء حقيقية بين ثقافتين وشعبين شقيقين تربطهما روابط تاريخية وروحية عميقة. كان الداخل إلى السفارة يلمس هذا التحول في التفاصيل قبل الشعارات؛ في أسلوب الاستقبال، وفي طريقة التعامل، وفي سرعة الاستجابة، وفي الإحساس العام بأن هذه المؤسسة لا تتعامل مع “ملفات” بقدر ما تتعامل مع “أشخاص”، لكل منهم ظرفه واحتياجه واعتباره الإنساني الذي لا يهمل ولا يؤجل.
أما حضوره الشخصي، فكان أحد أبرز عناصر تلك التجربة وأكثرها تأثيرا فيمن عرفوه أو تعاملوا معه، إذ لم يكن حضورا رسميا متجمدا خلف البروتوكول، بل كان حضورا إنسانيا حيا، يبدأ من اللحظة الأولى للقاء ولا ينتهي بانتهاءه. استقبال مباشر، ابتسامة ثابتة لا تتغير بتغير الظروف، وإنصات كامل لا يقطعه استعجال ولا يحده انشغال، حتى بدا وكأن اللقاء معه ليس لقاء مسؤول بزائر، بل لقاء إنسان بإنسان، يعاد فيه تعريف المسافة بين الطرفين على أساس الاحترام لا على أساس المنصب. وحتى في أدق التفاصيل السلوكية، كان يمنح للآخر شعورا واضحا بأنه حاضر بقيمته الكاملة، وأنه ليس مجرد رقم في معاملة أو اسم في سجل، بل ضيف في سياق إنساني يحظى بالاعتبار الكامل.
وعندما يتحدث، كان الإصغاء لديه جزءا من فلسفة قيادة أكثر منه مجرد مهارة شخصية، إذ كان يمنح الحديث مساحته الكاملة دون مقاطعة أو استعجال، ويترك للفكرة أن تكتمل، وللمتحدث أن يعبر عن نفسه حتى النهاية، وكأنه يبني فهمه للواقع من خلال الإنصات العميق لا من خلال التقدير السريع. وحتى عبر الهاتف، كانت نبرته تحمل ذات الطابع: هدوء المسؤول الذي لا يفقد دفء الإنسان، واهتمام الشخص الذي يرى في التواصل امتدادا للعلاقة لا مجرد إجراء عابر. هذا الاتساق بين الحضور الشخصي والممارسة اليومية جعل أثره يتجاوز حدود اللقاء المباشر إلى بناء صورة ذهنية مستقرة عن معنى الدبلوماسية حين تمارس بروح إنسانية صادقة.
أما على مستوى المؤسسة التي كان يقودها، فقد انعكس هذا النهج مباشرة على أداء السفارة، التي تحولت إلى منظومة عمل متماسكة عالية الانضباط، تعمل بروح الفريق الواحد، حيث تتكامل الأدوار بدقة واضحة، وتتحرك الإجراءات بسلاسة محسوبة، دون أن تفقد سرعتها أو تفقد في الوقت ذاته بعدها الإنساني. كانت السفارة في تلك المرحلة نموذجا لبيئة عمل لا تفصل بين الكفاءة المهنية والاعتبار الإنساني، بل تجمع بينهما في معادلة واحدة، تجعل من الإنجاز الإداري جزءا من منظومة أوسع قوامها الخدمة والاحترام والاستجابة السريعة لاحتياجات الناس.
ولم تكن المهنية في رؤيته مجرد التزام وظيفي أو تطبيق حرفي للإجراءات، بل كانت ثقافة عمل متكاملة تقوم على تحويل الخدمة إلى قيمة، والإجراء إلى رسالة، والموظف إلى جزء من منظومة إنسانية قبل أن يكون عنصرا إداريا. ولذلك بدا الأداء اليومي للسفارة وكأنه يتحرك وفق إيقاع مختلف، تراعى فيه السرعة دون الإخلال، والدقة دون الجمود، والمرونة دون التفريط، في توازن نادر لا يتحقق إلا حين تكون القيادة حاضرة في الفكر والسلوك معا.
وفي تجربة شخصية تختصر الكثير من هذا النهج، تقدمت بطلب تأشيرات لثلاث أخوات ، وسارت الإجراءات في مسارها الطبيعي، قبل أن تطرأ ظروف صحية طارئة استدعت تسريع العملية في وقت كانت فيه الحجوزات شبه مستحيلة. تواصلت معه بكلمات محدودة، فجاء الرد في لحظته، بصوته المعتاد الذي يحمل بساطة وطمأنينة: “يا هلا… إن شاء الله تتيسر”. لم يكن في الرد أي مبالغة أو وعود مطولة، لكنه كان كافيا لإعادة تشكيل مسار المعاملة بالكامل.
وبعد وقت قصير، تواصل أحد مسؤولي السفارة، وطلب التواجد في المكان، ثم وصلت الجوازات وقد أُنجزت التأشيرات بالكامل دون تأخير. لم يكن المشهد مجرد إنجاز إداري سريع، بل كان تجسيدا عمليا لفكرة أن الخدمة حين تدار بروح مسؤولة تتحول إلى التزام حي، لا ينتظر دورته البيروقراطية المعتادة، بل يتفاعل مباشرة مع الحاجة الإنسانية حين تفرض نفسها. وعندما أُبديت الدهشة من سرعة الإنجاز، جاء الرد مختصرا لكنه عميق الدلالة: “نحن نعمل في كل الأوقات من أجل راحتكم وخدمتكم”.
ذلك الموقف لم يكن حالة استثنائية، بل كان انعكاسا لثقافة عامة حكمت أداء السفارة في تلك المرحلة، وأسهمت في تعزيز العلاقات الموريتانية السعودية على نحو اتسم بالثقة والعمق والاستمرارية، حيث لم تكن العلاقة تدار فقط عبر القنوات الرسمية، بل كانت تغذى أيضا عبر جسور إنسانية حقيقية بناها هذا النمط من الحضور الدبلوماسي.
وفي المحصلة، لم تكن تجربة هزاع المطيري مجرد محطة في سجل العمل الدبلوماسي، بل كانت بصمة إنسانية متكاملة كتبت خارج النصوص الرسمية، وبقيت حاضرة في الذاكرة بوصفها نموذجا لدبلوماسية تدار بالعقل والقلب معا، وتمنح الإنسان مكانه الطبيعي في قلب المعادلة قبل أي اعتبار آخر.
واليوم، وبينما يمر هذا الرجل بظرف صحي دقيق إثر حادث مروري أدخله في غيبوبة بأحد مستشفيات الرياض، تتجه الدعوات الصادقة له بالشفاء، استحضارا لأثره قبل حضوره، وعطائه قبل موقعه، واعترافا بأن بعض الأشخاص لا يقاس حضورهم بزمن الخدمة، بل بعمق الأثر الذي يتركونه بعده.
اللهم يا واسع الرحمة، اشف عبدك هزاع بن زبن المطيري شفاء لا يغادر سقما، وألبسه لباس الصحة والعافية، ورده إلى أهله ومحبيه سالما معافى، واجعل ما أصابه رفعة في الدرجات وتكفيرا للسيئات، إنك سميع قريب مجيب الدعوات.
محمد سالم المختار الشيخ /نواكشوط




