بين عجلة القرار وتيه التردد/مرزوق بن علي الزهراني 🇸🇦

لا أدري على وجه الدقة متى بدأت ألتفت إلى هذه المفارقة، لكنني كثيراً ما رأيتها في نفسي ورأيتها في غيري. فهناك من يتخذ قراره قبل أن يكتمل الحديث، وكأنه يخشى أن تسبقه الفرصة إلى غيره، وهناك من يظل واقفاً عند مفترق الطرق طويلاً، يقلب الاحتمالات ويزن النتائج، حتى تمضي الفرصة في طريقها دون أن تنتظره.

ومع مرور السنوات أدركت أن الحياة لا تقسم الناس إلى حكماء ومخطئين بقدر ما تقسمهم أحياناً إلى متعجلين ومترددين. فالمتعجل يرى أمامه باباً مفتوحاً فيعبره سريعاً، أما المتردد فينشغل بالسؤال عما إذا كان هناك باب أفضل قد يفتح بعد قليل.

ولعل أكثر ما يثير التأمل أن كلا الطرفين يدفع ثمناً لا يختلف كثيراً عن الآخر. فكم من إنسان استعجل قراراً ندم عليه سنوات طويلة، وكم من إنسان أضاع من عمره فرصاً جميلة لأنه ظل ينتظر لحظة يقين لم تأتِ أبداً.

ولست أظن أن المشكلة في سرعة القرار أو بطئه بقدر ما هي في العلاقة التي تربط الإنسان بالمجهول. فبعض الناس يقبلون قدراً من المخاطرة ويؤمنون بأن الطريق لا يتضح كله قبل السير فيه، بينما يرهق آخرون أنفسهم بمحاولة اكتشاف كل ما ينتظرهم خلف المنعطفات. والحقيقة أن الحياة كثيراً ما تفاجئ الفريقين معاً.

أتذكر أشخاصاً كانوا يحسمون أمورهم بسرعة أدهشت من حولهم. يختارون تخصصاتهم، ويغيرون أعمالهم، ويخوضون تجارب جديدة دون تردد يذكر. بعضهم أخطأ، وبعضهم أصاب، لكنهم جميعاً امتلكوا شيئاً مشتركاً، وهو الشجاعة على تحمل نتائج اختياراتهم. وفي المقابل عرفت آخرين كانوا يملكون من الوعي والفهم ما يجعلهم يدركون تفاصيل المشهد أكثر من غيرهم، لكنهم ظلوا أسرى التفكير الطويل. لم تكن مشكلتهم في نقص المعرفة، بل في كثرة الاحتمالات التي كانت تتزاحم في رؤوسهم.

ومن هنا بدأت أفرق بين التروي والتردد. فالتروي أمر محمود، وهو ثمرة من ثمار الحكمة، أما التردد فغالباً ما يكون ابن من ابناء الخوف. المتروي يجمع ما يستطيع من معلومات ثم يمضي، أما المتردد فيظل ينتظر معلومة بعد معلومة، أو إشارة بعد إشارة، أو ضمانة بعد ضمانة، وكأن الحياة يمكن أن تقدم له عقداً خالياً من المخاطر.

ولعل من أجمل ما تعلمته أن كثيراً من القرارات لا تحتاج إلى يقين كامل، لأن اليقين الكامل نفسه نادر في شؤوننا البشرية. فما من طريق يخلو من المفاجآت والتحديات، وما من قرار يخلو من احتمال الخطأ والتعثر. ولهذا فإن الإفراط في التفكير لا يقود دائماً إلى قرارات أفضل، بل قد يقود أحياناً إلى إضاعة الوقت الذي كان ينبغي أن يبدأ فيه الشروع في العمل.

ومن خلال سبر أغوار هذه القضية يتبين أن الإنسان لا يندم دائماً على القرارات التي اتخذها، بل قد يندم أحياناً على تلك التي لم يتخذها. فهناك فرص إذا مرت لا تعود، وأبواب إذا أغلقت لا تفتح بالطريقة نفسها مرة أخرى. وعندها لا يصبح السؤال: هل كان القرار صحيحاً أم خاطئاً؟ بل يصبح: لماذا لم أتخذ القرار عندما كانت الظروف متاحة والوقت مناسباً؟

وتأسيساً على ذلك، فإن الحكمة ليست في أن نعجل دائماً، ولا في أن نتردد دائماً، وإنما في أن نعرف متى نفكر، وكيف نفكر، ومتى نتوقف عن التفكير. فالعقل خلق ليدرس ويحلل ويوازن، لكنه في ذات الوقت لم يخلق ليبقى حبيس الاحتمالات إلى الأبد.

ولا مندوحة من القول إن كثيراً من أحلام الناس لا يعطلها نقص القدرة ولا ضعف الإمكانات، وإنما يعطلها الوقوف الطويل عند بوابة القرار. فبين عجلة قد تجر إلى الندم، وتردد قد يقود إلى الحسرة، يبقى التروي المقترن بالحسم هو الطريق الأقرب إلى الطمأنينة، لأن الإنسان في نهاية المطاف لا يملك أن يعرف كل شيء، لكنه يملك أن يمضي فيما يراه صواباً بعد إستخارة الله ثم التوكل عليه.

مرزوق بن علي الزهراني 🇸🇦

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى