عندما تتحدث الدول الكبرى بلغة الحكمة.. السعودية نموذجا

لم يكن ترحيب المملكة العربية السعودية بالاتفاق الأميركي – الإيراني لإنهاء العمليات العسكرية موقفا عابرا أو مفاجئا لمن يتابع السياسة السعودية عن قرب، بل جاء منسجما مع نهج راسخ اختطته المملكة منذ عقود، يقوم على تغليب منطق الاستقرار على الفوضى، والحوار على المواجهة، والسلام على الحروب التي لا يعرف أحد كيف تبدأ، لكنه يعرف جيدا كيف تنتهي على حساب الشعوب والأوطان. فالمملكة تدرك بحكم موقعها وثقلها السياسي والاقتصادي والديني أن أي حرب جديدة في المنطقة لن تكون مجرد مواجهة عسكرية محدودة، بل زلزالا يهدد أمن الخليج واستقرار العالم بأسره.
لقد أثبتت الأحداث أن السعودية كانت من أكثر الدول إدراكا للمخاطر الحقيقية الكامنة خلف التصعيد العسكري، خاصة عندما تتحول الحروب إلى أدوات لتحقيق مصالح طرف واحد يسعى إلى إعادة تشكيل المنطقة وفق حساباته الخاصة. وكان واضحا أن هناك من أراد جر دول الخليج إلى مواجهة مفتوحة لا ناقة لها فيها ولا جمل، لتدفع أثمانها من أمنها واقتصادها واستقرار شعوبها، بينما يجني الآخرون المكاسب السياسية والاستراتيجية. غير أن الرياض قرأت المشهد بعين الدولة الخبيرة، ورفضت الانجرار إلى حسابات الآخرين مهما كانت الضغوط.
واللافت أن هذا الموقف لم يصدر عن دولة بعيدة عن دائرة الاستهداف، بل عن دولة كانت لسنوات طويلة هدفا مباشرا للصواريخ والطائرات المسيرة والهجمات التي نفذتها ميليشيات محسوبة على إيران. ورغم ذلك كله، لم تتخل المملكة عن عقلانيتها، ولم تسمح لمشاعر الغضب أو الرغبة في الانتقام بأن تتحكم في قراراتها السيادية. بل بقيت متمسكة بمبدأ واضح يقوم على حق الدفاع عن النفس دون الانزلاق إلى حروب مفتوحة قد تحرق المنطقة بأكملها.
لقد نجحت السعودية إلى أبعد الحدود في ترسيخ هذا النهج، فأثبتت أنها ليست مجرد قوة اقتصادية كبرى، بل قوة سياسية وعسكرية تعرف متى تستخدم القوة ومتى تمارس ضبط النفس، ومتى يكون الدخول في الحرب ضرورة ومتى يكون تجنبها انتصارا بحد ذاته. فالقوة الحقيقية ليست في إشعال المعارك، وإنما في القدرة على منع اندلاعها عندما يكون ثمنها أكبر من أي مكسب متوقع.
ومن هنا يمكن فهم إصرار المملكة على عدم قطع شعرة معاوية مع إيران، رغم كل ما صدر عنها وعن الميليشيات التابعة لها من مواقف عدائية واستفزازات متكررة. فقد أدركت القيادة السعودية أن الجغرافيا لا تتغير، وأن استقرار المنطقة لا يمكن أن يتحقق إلا عبر التفاهمات التي تحفظ مصالح الجميع وتمنع الانفجار الشامل الذي لن ينجو من تداعياته أحد.
كما يسجل التاريخ للمملكة موقفها الصلب أمام الضغوط الدولية التي مورست عليها للمشاركة في الحرب أو توفير أراضيها لتوسيع دائرة الصراع. فقد كان الموقف السعودي واضحا وحاسما: لا استهداف لإيران من الأراضي السعودية، لأن أمن المملكة لا يكون عبر تحويل أرضها إلى منصة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية. وفي الوقت نفسه تمسكت الرياض بموقفها الثابت من القضية الفلسطينية، مؤكدة أنها لن تنخرط في الاتفاقية الإبراهيمية قبل قيام دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشرقية على حدود عام 1967، وهو موقف يعكس استقلالية القرار السعودي وعدم خضوعه للإملاءات مهما كان مصدرها.
ورغم ما كشفته التطورات الأخيرة من تعقيدات في المواقف الدولية والإقليمية، فإن المملكة واصلت التعامل مع الجميع وفق منطق المصالح المتبادلة واحترام الواقع السياسي، لكن دون أن تسمح لأحد بتجاوز خطوطها الحمراء التي لا تقبل المساومة أو التفاوض. وفي مقدمة هذه الثوابت حماية الدين الإسلامي ومقدساته، وصون الحوزة الترابية للمملكة، وضمان أمن وسلامة ضيوف الرحمن الذين يفدون إليها من كل أنحاء العالم لأداء مناسكهم في أمن وطمأنينة.
إن ترحيب السعودية بالاتفاق الأميركي – الإيراني اليوم ليس انتصارا لطرف على آخر، بل انتصار لفكرة السلام التي دافعت عنها المملكة منذ بداية الأزمة. كما أنه تأكيد جديد على أن الرياض كانت ترى ما هو أبعد من ساحة المعركة، وتدرك أن إنهاء العمليات العسكرية وعودة الأمن إلى الملاحة الدولية في مضيق هرمز وفتح باب المفاوضات هو الخيار الأكثر عقلانية لحماية المنطقة من مستقبل مجهول.
ومع ذلك، يبقى سؤال يراود الكثيرين ولا يجدون له جوابا شافيا: كيف ترحب السعودية باتفاق مع طرف استهدفها أكثر مما استهدف غيرها؟ وكيف تتجاوز مواقف أمريكية لم ترتق إلى مستوى التوقعات خلال لحظات كانت تتطلب من واشنطن، بصفتها قوة عظمى، مواقف أكثر حزما ووضوحا؟ إنه سؤال مشروع سيظل مطروحا في الأذهان، وربما تبقى إجابته الحقيقية حبيسة كواليس السياسة وأسرار الدول.
لكن ما لا يختلف عليه اثنان هو أن المملكة العربية السعودية أثبتت مرة أخرى أنها دولة تعرف ماذا تريد، وتعرف كيف تحمي مصالحها، وتعرف متى تقول نعم ومتى تقول لا. ولهذا فإن ما يرضي السعودية يبعث على الاطمئنان، وما يقلقها يستحق التوقف عنده، لأنها أثبتت عبر التجارب أنها تنظر إلى الأحداث من زاوية الدولة المسؤولة التي تحمل هم استقرار المنطقة بأسرها، لا من زاوية المكاسب الآنية أو الحسابات الضيقة.
محمد سالم المختار الشيخ /موريتانيا




