كَلِيْلَةٌ وَدِمْنَةٌ/اعْتَنَى بِتَنْسِيْقِ نَصِّهِ من طَبْعَةِ بُولَاق وتَصْحِيْحِها:الحُسَيْنُ بن حَيْدَر “الباب الأول”

مُقَدِّمَةُ الكِتَابِ
قَالَ عَلِيُّ بْنُ الشَّاهِ الْفَارِسَيُّ: كَانَ السَّبَبَ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ وَضَعَ بَيْدَبَا الْفَيْلَسُوفُ لِدَبْشَلِيمَ مَلِكِ الهِنْدِ كِتَابَ كَلِيلَةَ وَدِمْنَةَ، أَنَّ الْإِسْكَندَرَ ذَا الْقَرْنَيْنِ الرُّومِي[1] لَمَّا فَرَغَ مِنْ أَمْرِ المُلُوكِ الَّذِينَ كَانُوا بِنَاحِيَةِ المَغْرِبِ، سَارَ يُرِيدُ مُلُوكَ المُشْرِقِ مِنَ الْفُرْسِ وَغَيْرِهِمْ، فَلَمْ يَزَلْ يُحَارِبُ مَنْ نَازَعَهُ وَيُوَاقِعُ مَنْ وَاقَعَهُ، وَيُسَالِمُ مَنْ وَادَعَهُ مِنْ مُلُوكِ الْفُرْسِ، وَهُمُ الطَّبَقَةُ الْأُولَى، حَتَّى ظَهَرَ عَلَيْهِمْ وَقَهَرَ مَنْ نَاوَأَهُ وَتَغَلَّبَ عَلَى مَنْ حَارَبَهُ، فَتَفَرَّقُوا طَرَائِقَ[2]، وَتَمَزَّقُوا حَزَائقَ[3]، فَتَوَجَّهَ بِالجُنُودِ نَحْوَ بِلَادِ الصِّينِ، فَبَدَأَ فِي طَرِيقِهِ بِمَلِكِ الهِنْدِ لِيَدْعُوَهُ إِلَى طَاعَتِهِ وَالدُّخُولِ فِي مِلَّتِهِ وَوِلَايَتِهِ، وَكَانَ عَلَى الهِنْدِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ مَلِكُ ذُو سَطْوَةٍ وَبَأْسِ وَقُوَّةٍ وَمِرَاسٍ، يُقَالُ لَهُ فُوْرٌ. فَلَمَّا بَلَغَهُ إِقْبَالُ ذِي القَرْنَيْنِ نَحْوَهُ تَأَهَبَ لِمُحَارَبَتِهِ، وَاسْتَعَدَّ لِمُجَاذَبَتِهِ، وَضَمَّ إِلَيْهِ أَطْرَافَهُ، وَجَدَّ فِي التَّأَلْبِ عَلَيْهِ[4]، وَجَمَعَ لهُ العُدَّةَ فِي أَسْرَعِ مُدَّةٍ مِنَ الفِيلَةِ المُعَدَّةِ لِلْحُرُوبِ، وَالسَّبَاع المُضَرَّاةِ بِالوُثُوبِ، مَعَ الخُيُولِ المُسْرَجَةِ وَالسُّيُوفِ القَوَاطِعِ وَالحِرَابِ اللَّوَامِعِ. فَلَمَّا قَرُبَ ذُو القَرْنَيْنِ مِنْ فُورٍ الهِنْدِيٌّ وَبَلَغَهُ مَا قَدْ أَعَدَّ لَهُ مِنَ الخَيْلِ الَّتِي كَأَنَّهَا قِطَعُ الليْلِ مِمَّا لَمْ يَلْقَهُ بِمِثْلِهِ أحَدٌ مِنَ الملوك الَّذِينَ كَانُوا فِي الأَقالِيم، تَخَوَّفَ ذُو القَرْنَيْنِ من تقصيرِ يَقَعُ بِهِ إِنْ عَجَّلَ المُبَارَزَةَ. وَكَانَ ذُو القَرْنَيْنِ رَجُلًا ذا حِيَلٍ وَمَكَايِدَ، مع حُسْنِ تَدْبِيْرٍ وَتَجْرِبَةٍ، فَرَأَى إعْمَالَ الحِيْلَةِ وَالتَّمَهُّلَ، وَاحْتَفَرَ خَنْدَقًا عَلَى عَسْكَرِهِ، وَأَقَامَ بِمَكَانِهِ لِاسْتِنْبَاطِ الِحيلَةِ وَالتَدْبِيرِ لأَمْرِهِ، وَكَيْفَ يَنبَغِي لَهُ أَنْ يُقْدِمَ عَلَى الإِيقَاعِ بِهِ. فَاسْتَدْعَى بِالمُنَجِمِينَ، وَأَمَرَهُمْ بِالاِخْتِيَارِ لِيَوْمٍ مُوَافِقٍ تَكُونُ لَهُ فيهِ سَعَادَةٌ لمُحَارَبَةِ مَلِكِ الهِنْدِ وَالنَّصْرَةِ عَلَيْهِ. فَاشْتَغَلُوا بِذَلِكَ.
وكَانَ ذُو القَرْنَيْنِ لَا يَمُرُّ بِمَدِينَةٍ إِلَّا أَخَذَ الصُّناعَ المُشْهُورِينَ مِنْ صُناعِهَا بِالِحذْقِ مِن كُلِّ صِنفٍ. فَأَنْتَجَتْ لَهُ همَّتُهُ وَدَلَّتْهُ فِطْنَتُهُ أَنْ يَتَقَدَّمَ إلَى الصَّنَاعِ الَّذِينَ مَعَهُ فِي أَنْ يَصْنَعُوا خَيْلًا مِنْ نُحَاسٍ مُجَوَّفَةً، عليها تماثِيلُ مِنَ الرِّجَالِ، عَلَى بَكَرٍ تَجْرِي إِذَا دُفِعَتْ مَرَّت سِرَاعًا، وَأَمَرَ إِذَا فَرَغُوا مِنْهَا أَنْ تُحشَى أَجْوَافُها بِالنَّفْطِ وَالكِبْرِيتِ وتُلْبَسَ وَتُقَدَّمَ أَمَامَ الصَّفْ فِي القَلْبِ، وَوَقْتَ مَا يَلْتَقِي الجَمَعَانِ تضَرَمُ فِيهَا النِّيرَانُ. فَإِنَّ الفِيلَةَ إِذَا لَفَّتْ خَرَاطِيمَهَا عَلَى الفُرْسَانِ وَهِيَ حَامِيَةٌ، وَلَّتْ هَارِبَةً. وَأَوْعَزَ إِلَى الصُّناعِ بِالتَّشْمِيرِ والانْكِمَاشِ[5] والفَرَاغِ مِنْهَا. فَجَدُّوا فِي ذَلِكَ وَعَجِلُوا. وَقَرُبَ أَيْضًا وَقْتُ اخْتِيَارِ المُنجمِينَ. فَأَعَادَ ذُو القَرْنَيْنِ رُسُلَهُ إِلَى فُورٍ بِمَا يَدْعُوهُ إِلَيْهِ مِنْ طَاعَتِهِ وَالإِذْعَانِ لِدَوْلَتِهِ. فَأَجَابَ جَوَابَ مُصِرِّ عَلَى مُخَالَفَتِهِ، مُقِيم عَلَى مُحَارَبَتِهِ، فَلَما رَأَى ذُو القَرْنَيْنِ عَزِيمَتَهُ سَارَ إِلَيْهِ بِأُهْبَتِهِ، وَقَدَّم فُورٌ الفِيَلَةَ أَمَامَهُ، وَدَفَعَتِ الرِّجَالُ تِلْكَ الخَيْلَ وَتَمَاثِيلَ الفُرْسَانِ، فَأَقْبَلَتِ الفِيَلَةُ نَحْوَهَا، ولَفَّتْ خَرَاطِيمَهَا عَلَيْها. فَلَمَّا أَحَسَتْ بِالحَرَارَةِ أَلْقَتْ مَنْ كَانَ عَلَيْهَا، وَدَاسَتْهُمْ تَحْتَ أَرْجُلِهَا، ومَضَتْ مَهْزُومَةً هَارِبَةً، لَا تَلْوِى عَلَى شَيْءٍ وَلَا تَمُرُّ بِأَحَدٍ إِلَّا وَطِئَتْهُ، وَتَقَطَّعَ فُورٌ وَجَمْعُهُ، وَتَبِعَهُمْ أَصْحَابُ الإسْكَنْدَرِ، وَأَثْخَنُوا فِيهِم الجِراحَ. وَصَاحَ الْإِسْكَندَرُ: يَا مَلِكَ الهِنْدِ أبْرُزْ إِلَيْنَا، وأَبْقِ عَلَى عُدَّتِكَ وَعِيَالِكَ، وَلَا تَحْمِلْهُمْ عَلَى الفَنَاءِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنَ المُرُوءَةِ أَنْ يَرْمِيَ المَلِكُ بِعُدَّتِهِ فِي المُهَالِكِ المُتْلِفَة والموَاضِعِ المُجْحِفَةِ، بَلْ يَقِيهِم بِمَالِهِ وَيَدْفَعُ عَنْهُم بِنَفْسِهِ، فَابْرُزْ إِلَيَّ وَدَعِ الجُنْدَ، فَأَيُّنَا قَهَرَ صَاحِبَهُ فَهُوَ الأَسْعَدُ، فَلَمَّا سَمِعَ فُورٌ مِنْ ذِي القَرْنَيْنِ ذَلِكَ الكَلامَ دَعَتَهُ نَفْسُهُ لِمُلاقاتِهِ طَمَعًا فِيهِ، وَظَنَّ ذَلِكَ فُرْصَةً. فبرز إِلَيْهِ الإسْكَنْدرُ فَتَجَاوَلَا عَلَى ظَهْرَيْ فَرَسَيْهِمَا سَاعَاتٍ مِنَ النَّهَارِ لَيْسَ يَلْقَى أَحَدُهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ فُرْصَةً، وَلَمْ يَزَالَا يَتَعَارَكَانِ. فلَمَّا أَعْيَا الإسكندَرَ أَمْرُهُ وَلَمْ يَجِدْ لَهُ فُرْصَةً وَلَا حِيلَةً أَوْقَعَ ذُو القَرْنَيْنِ فِي عَسْكَرِهِ صَيْحَةً عَظِيمَةً ارْتَجَتْ لَهَا الأَرْضُ والعَسَاكِرُ، فَالتَفَتَ فُورٌ عِندَ مَا سَمِعَ الزَّعْقَةَ، وَظَنَّها مَكِيدَةً في عَسْكَرِهِ، فَعَاجَلَهُ ذُو القَرْنَيْنِ بِضَرْبَةٍ أَمَالَتْهُ عَنْ سَرْجِهِ، وَتَبِعَهُ بِأَخْرَى، فَوَقَعَ عَلَى الأَرْضِ، فَلَمَّا رَأَتِ الهِنْدُ مَا نَزَلَ بِهِمْ، وَمَا صَارَ إِلَيْهِ مَلِكُهُمْ، حَمَلُوا عَلَى الإسكندر فَقَاتَلُوهُ قِتَالًا أَحَبُوا مَعَهُ المَوْتَ. فَوَعَدَهُمْ مِنْ نَفْسِهِ الإِحْسَانَ، وَمَنَحَهُ اللهُ أَكْتَافَهُمْ، فاسْتَولَى عَلَى بِلادِهِمْ، وَمَلَّكَ عَلَيْهِمْ رَجُلًا مِن ثِقَاتِهِ، وَأَقَامَ بِالهِنْدِ حَتَّى اسْتَوْثَقَ مِما أَرَادَ مِنْ أَمْرِهِمْ وَاتَّفَاقِ كَلِمَتِهِمْ، ثُمَّ انْصَرَفَ عَنِ الهِنْدِ وَخَلَّفَ ذَلِكَ الرَّجُلَ عَلَيهِم. وَمَضَى مُتَوَجِّهًا نَحْوَ مَا قَصَدَ لَهُ. فَلَمَّا بَعُدَ ذُو القَرْنَيْنِ عَنِ الهَندِ بِجُيُوشِهِ، تَغَيَّرَتِ الهِندُ عَمَّا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ طَاعَةِ الرَّجُلِ الَّذِى خَلَفَهُ عَلَيْهِمْ، وَقَالُوا لَيْسَ يَصْلُحُ لِلسَّيَاسَةِ وَلَا تَرْضَى الخاصَّةُ وَالعَامَّةُ أَنْ يُمَلِّكُوا عَلَيْهِمْ رَجُلًا ليْسَ هُو مِنْهم وَلَا مِنْ أَهْلِ بُيُوتِهِم. فَإِنَّه لَا يَزَالُ يَسْتَذِلُهُمْ ويَسْتَقِلُّهُمْ، وَاجْتَمَعُوا يَمَلِّكُونَ عَلَيْهِمْ رَجُلًا مِنْ أَوْلَادِ مُلُوكِهِمْ، فَمَلَّكُوا عَلَيْهِم مَلِكًا يُقَالُ لَهُ دَبْشَلِيمُ، وَخَلَعُوا الرَّجُلَ الَّذِي كَانَ خَلَّفَهُ عَلَيْهِمُ الإِسْكَنَدَرُ. فَلَمَّا اسْتَوْسَقَ لَهُ الأَمْرُ، وَاسْتَقَرَّ لَهُ المُلكُ، طَغَى وَبَغَى وَتَجَبَّرَ وَتَكَبَّر، وَجَعَلَ يَغْرُو مَنْ حَولَهُ مِنَ المُلِوكِ. وَكَانَ مَعَ ذَلِكَ مُؤَيِدًا مُظَفَرًا مَنصُورًا، فَهَابَتْهُ الرَّعِيَّةُ. فَلَمَّا رَأَى مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنَ المُلْكِ وَالسَّطَوَةِ، عَبِثَ بِالرَّعِيَّةِ وَاسْتَصْغَرَ أَمْرَهُمْ وَأَسَاءَ السِّيرَةَ فِيهِمْ. وَكَانَ لَا تَرْتَقِي حَالُهُ إِلَّا ازْدَادَ عُتُوَّاً فمَكَثَ عَلَى ذَلِكَ بُرْهَةً مِنْ دَهْرِهِ. وَكَانَ فِي زَمَانِهِ رَجُلٌ فَيلَسُوفٌ مِنَ الْبَرَاهِمَةِ، فَاضِلٌ حَكِيمٌ، يُعْرَفُ بِفَضْلِهِ، وَيُرْجَعُ فِي الأُمورِ إِلَى قَوْلِهِ، يُقَالُ لَهُ بَيْدَبَا. فَلَمَّا رَأَى المَلِكَ وَمَا هُوَ عَلَيْهِ مِنَ الظُّلْمِ لِلرَّعِيَّةِ، فَكَرَ فِي وَجْهِ الحِيلَةِ فِي صَرْفِهِ عَمَّا هُوَ عَلَيْهِ، وَرَدِّهِ إِلَى العَدْلِ والإِنْصَافِ، فَجَمَعَ لِذلِكَ تَلَامِيذَهُ، وَقَالَ: أَتَعْلَمُونَ مَا أُرِيدُ أَنْ أُشَاوِرَكُمْ فِيهِ؟ اِعْلَمُوا أَنِّى أَطَلْتُ الفِكْرَةَ فِي دَبْشَلِيْمَ ومَا هُوَ عَلَيْهِ مِنَ الخُرُوج عَنِ العَدْلِ وَلزُومِ الشِّرِّ وَرَدَاءَةِ السِّيْرَةِ وسُوءِ العِشْرَةِ مَعَ الرَّعِيَّةِ، وَنَحْنُ مَا نَرُوضُ أَنْفُسَنَا لِمِثْلِ هذِهِ الأُمُورِ إِذَا ظَهَرَتْ مِنَ المُلُوكِ، إِلَّا لِنَرُدَّهُمْ إِلَى فِعْلِ الخَيرِ وَلُزُومِ العَدْلِ. وَمَتَى أَغْفَلْنَا ذَلِكَ وَأَهْمَلْنَاهُ لَزِمَ وَقُوعُ المَكْرُوهِ بِنَا، وَبُلُوغُ المحذُورَاتِ إِلَيْنَا، إِذْ كُنَّا فِي أَنْفُسِ الجُهَالِ أَجْهَلَ مِنْهُمْ، وَفِي العُيُونِ عِندَهُمْ أَقَلَّ مِنْهُمْ. وَلَيْسَ الرَّأَيُ عِنْدِيَ الجَلَاءَ عَنِ الوَطَنِ. ولا يَسَعُنَا فِي حِكْمَتِنَا إِبْقَاؤُهُ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنْ سُوءِ السِّيرَةِ وَقُبْحِ الطَّرِيقَةِ، وَلَا يُمْكِنُنَا مُجَاهَدَتُهُ بِغَيْرِ أَلْسِنَتِنَا، وَلَوْ ذَهَبْنَا إِلَى أَنْ نَسْتَعِينَ بِغَيْرِنَا لَم تتَهيَّأْ لَنَا مُعَانَدَتُهُ. وَإِنْ أَحَسَّ مِنَّا بِمُخَالَفَتِهِ وَإِنْكَارِنَا سُوءَ سِيرَتِهِ كَانَ فِي ذَلِكَ بَوَارُنَا. وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنَّ مُجَاوَرَةَ السَّبُعِ وَالكَلْبِ وَالحَيَّةِ وَالثَّوْرِ عَلَى طِيبِ الوَطَنِ وَنَضَارَةِ العَيْشِ لَغَدْرٌ بِالنَّفْسِ، وَإِنَّ الْفَيْلَسُوفَ لَحَقِيقٌ أَنْ تَكُونَ هِمَّتُهُ مَصْرُوفَةً إلى مَا يُحَصِّنُ بِهِ نَفْسَهُ مِنْ نَوَازِلِ المَكْرُوهِ وَلَوَاحِقِ المَحْذُورِ، وَيَدْفَعُ المَخُوْفَ لِاسْتِجْلَابِ المَحْبُوبِ.
وَلَقَدْ كُنْتُ أَسْمَعُ أَنَّ فَيْلسُوفًا كَتَبَ لِتلمِيْذِهِ يَقُولُ: إِنَّ مُجَاوِرَ رِجَالِ السُّوءِ وَمُصَاحِبَهُم كَرَاكِبِ البَحْرِ: إِنْ سَلِمَ مِنَ الغَرَقِ لَمْ يَسْلَمْ مِنَ المَخَاوِفِ. فَإِذَا هُوَ أَوْرَدَ نَفْسَهُ مَوَارِدَ الهَلَكَاتِ وَمَصَادِرَ المَخُوَفَاتِ، عُدَّ مِنَ الحَمِيرِ الَّتِي لَا نَفْسَ لَهَا، لأنَّ الحَيَوَانَ[6] البَهِيمِيَّةَ قَدْ خُصَّتْ فِي طَبَائِعِها بِمَعْرِفَةِ مَا تَكْتَسِبُ بِهِ النَّفْعَ وَتَتَوقَّى المَكْرُوهُ، وَذَلِكَ أَنَّنَا لَمْ نَرَهَا تُوْرِدُ أَنْفُسَهَا مَوْرِداً فِيهِ هَلَكَتُهَا، وَأَنَّهَا مَتى أَشْرَفَتْ عَلَى مَوْرِدٍ مُهْلِكٍ لَهَا، مَالَتْ بِطَبَائِعِهَا الَّتِي رُكَبَتْ فِيهَا – شَحَّاً بِأَنْفُسِهَا وصِيَانَةً لَها – إلى النُّفُورِ والتَّبَاعُدِ عَنهُ، وَقَدْ جَمَعْتُكُمْ لِهذَا الأَمْرِ، لأنَّكُم أُسْرَتِي وَمَكَانُ سِرِّي وَمَوْضِعُ مَعْرِفَتِي، وَبِكُمْ أَعْتَضِدُ، وَعَلَيْكُم أَعْتَمِدُ، فَإِنَّ الوَحِيدَ فِي نَفْسِهِ وَالمُنْفَرِدَ بِرَأْيِهِ حَيْثُ كَانَ فَهُوَ ضَائِعٌ ولَا نَاصِرَ لَهُ. عَلَى أَنَّ العَاقِلَ قَدْ يَبْلُغُ بِحِيلَتِهِ مَا لَا يَبْلُغُ بِالخَيْلِ وَالجُنُودِ. وَالمَثَلُ فِي ذلِكَ أَنَّ قُنْبُرَةً [7] اتَّخَذَتْ أُدْحِيَّةً [8] وَبَاضَتْ فِيهَا عَلَى طَرِيقِ الفِيلِ، وَكَانَ لِلْفِيلِ مَشْرَبٌ يَتَرَدَّدُ إِلَيْهِ. فَمَرَّ ذَاتَ يَومٍ عَلَى عَادَتِهِ لِيَرِدَ مَوْرِدَهُ فَوَطِئَ عُشَ القُنْبُرَةِ، وَهَشَمَ بَيْضَهَا وَقَتَلَ فِرَاخَهَا. فَلَمَّا نَظَرَتْ مَا سَاءَهَا، عَلِمَتْ أَنَّ الَّذِى نَالَهَا مِنَ الفِيلِ لَا مِنْ غَيْرِهِ. فَطَارَتْ فَوَقَعَتْ عَلَى رَأْسِهِ بَاكِيَةً، ثُمَّ قَالَتْ: أَيُّهَا المَلِكُ لِمَ هَشَمْتَ بَيْضِي وَقَتَلْتَ فِرَاخِي وَأَنَا فِي جِوَارِكَ؟ أَفَعَلْتَ هَذَا اسْتِصْغَارًا مِنْكَ لِأَمْرِي وَاحْتِقَارًا لِشَأْنِي؟
قَالَ: هُوَ الَّذِى حَمَلَنِي عَلَى ذَلِكَ.
فَتَرَكَتْهُ وَانْصَرَفَتْ إِلَى جَمَاعَةِ الطَّيْرِ، فَشَكَتْ إِلَيْهَا مَا نَالَهَا مِنَ الفِيلِ، فَقُلْنَ لَهَا: وَمَا عَسَى أَنْ نَبْلُغَ مِنْهُ وَنَحْنُ طُيُورُ؟ فَقَالَتْ لِلْعَقَاعِقِ[9] وَالغِرِبَانِ: أُحِبُّ مِنْكُنَّ أَنْ تَصِرْنَ مَعِي إِلَيْهِ فَتَفْقَأْنَ عَيْنَيْهِ، فَإِنِّي أَحْتَالُ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِحِيلَةٍ أُخْرَى. فَأَجَبْنَهَا إِلَى ذلِكَ، وَذَهَبْنَ إِلَى الفِيلِ، وَلَمْ يَزَلْنَ يَنْقُرْنَ عَيْنَيْهِ حَتَّى ذَهَبْنَ بِهِمَا، وَبَقِيَ لَا يَهْتَدِي إِلَى طَرِيقِ مَطْعَمِهِ وَمَشْرَبِهِ إلَّا مَا يَلْقَمُهُ مِنْ مَوْضِعِهِ، فَلَمَّا عَلِمَتْ ذَلِكَ مِنْهُ، جَاءَتْ إِلَى غدِيرٍ فِيهِ ضَفَادعُ كَثِيرَةٌ، فَشَكَتْ إِلَيْهَا مَا نَاهَا مِنَ الفِيلِ.
قَالَتِ الضَّفَادِعُ: مَا حِيلَتُنَا نَحْنُ فِي عِظَمِ الفِيلِ؟ وَأَيْنَ نَبْلُغُ مِنْهُ؟ قَالَتْ: أحِبُّ مِنكُنَّ أَنْ تَصِرْنَ مَعِي إِلَى وَهْدَةٍ [10]قَرِيبَةٍ مِنْهُ، فَتَنْقِقْنَ فِيهَا، وَتَضْجِجْنَ، فَإِنَّهُ إِذَا سَمِعَ أَصْوَاتَكُنَّ لَمْ يَشُكَ فِي المَاءِ فَيَهْوِي فيها. فَأَجَبْنَهَا إِلَى ذلِكَ، وَاجْتَمَعْنَ فِي الهَاوِيَةِ، فَسَمِعَ الفِيلُ نَقِيقَ الضَّفَادِعِ، وَقَدْ أَجْهَدَهُ العَطَشُ، فَأَقْبَلَ حَتَّى وَقَعَ فِي الوَهْدَةِ، فَارْتَطَمَ فِيهَا، وَجَاءَتْ القُنْبُرَةُ تُرَفْرِفُ عَلَى رَأْسِهِ، وَقَالَتْ: أَيُّهَا الطَّاغِي المُغْتَرُّ بِقُوَّتِهِ المُحْتَقِرُ لِأَمْرِي، كَيْفَ رَأَيْتَ عِظَمَ حِيلَتِي مَعَ صِغَرِ جُثَّتِي عِندَ عِظَمِ جُثَّتِكَ وَصِغَرِ هِمَّتِكَ؟
فَلْيُشر كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ بِمَا يَسْنَحُ لَهُ مِنَ الرَّأْيِ.
قَالُوا بِأَجْمَعِهِمْ: أَيُّهَا الفَيْلَسُوفُ الفَاضِلُ، وَالحَكِيمُ العَادِلُ، أَنتَ المُقَدَّمُ فِينَا، وَالفَاضِلُ عَلَيْنَا، وَمَا عَسَى أَن يَكُونَ مَبْلَغُ رَأْيَنَا عِندَ رَأْيِكَ، وَفَهْمِنَا عِندَ فَهْمِكَ؟ غَيْرَ أَنَّنا نَعْلَمُ أنَّ السِّبَاحَةَ في المَاءِ مَعَ التَّمْسَاحِ تَغْرِيرٌ، وَالذَّنْبُ فِيهِ لِمَنْ دَخَلَ عَلَيْهِ فِي مَوْضِعِهِ. وَالَّذِي يَسْتَخْرِجُ السُّمَ مِن نَابِ الحَيَّةِ فَيَبْتَلِعُهُ لِيُجَرِّبَهُ جَانٍ عَلَى نَفْسِهِ، فَلَيْسَ الذَّنْبُ لِلحَيَّةِ. وَمَنْ دَخَلَ عَلَى الأَسَدِ فِي غَابَتِهِ، لم يأْمَنْ مِن وَثَبَتِهِ. وهذا الملكُ لَم تُفْزِعْهُ النَّوائِبُ، وَلَمْ تُؤَدِّبْهُ التَّجَارِبُ. وَلَسَنَا نَأْمَنُ عَلَيْكَ وَلَا عَلَى أَنْفُسِنَا سَطْوَتَهُ وَإِنَّا نَخَافُ عَليكَ مِنْ سَورَتِهِ[11] وَمُبَادَرَتِهِ بسُوءٍ إِذَا لَقِيتَهُ بِغَيْرُ مَا يُحِبُّ.
فَقَالَ الحَكِيمُ بَيْدَبَا: لَعَمْرِي لَقَدْ قُلْتُمْ فَأَحْسَنْتُمْ، لَكِنَّ ذَا الرَّأيِ الحَازِمَ لَا يَدَعُ أَنْ يُشَاوِرَ مَنْ هُوَ دُونَهُ أَوْ فَوْقَهُ فِي المَنْزِلَةِ. وَالرَّأْيُ الفَرْدُ لَا يُكْتَفَى بِهِ فِي الخَاصَّةِ وَلَا يُنْتَفَعُ بِهِ فِي العَامَّةِ. وقَدْ صَحَّتْ عَزِيمَتِي عَلَى لِقَاءِ دَبْشَلِيمَ، وَقَدْ سَمِعْتُ مَقَالَتَكُمْ، وتَبَيَّنَ لي نَصِيْحَتُكُم وَالإشْفَاقُ عَلَيَّ وَعَلَيْكُمْ، غَيْرَ أَنِّي قَدْ رَأَيْتُ رَأْيًا وعزَمْتُ عَزْماً، وَسَتَعرِفُونَ حَدِيثِي عِنْدَ المَلِكِ ومُجَاوَبَتِي إيَّاهُ فَإِذَا اتَّصَلَ بِكُمْ خُرُوجِي مِنْ عِنْدِهِ فَاجْتَمِعُوا إِلَيَّ، وَصَرَفَهُمْ وَهُمْ يَدْعُونَ لَهُ بِالسَّلَامَة.
ثُمَّ إِنَّ بَيْدَبَا اخْتَارَ يَوْمًا لِلدُّخُولِ عَلَى المَلِكِ، حَتَّى إِذَا كَانَ ذلِكَ الوَقْتُ أَلقَى عَلَيْهِ مُسُوحَهُ وَهِيَ لِبَاسُ الْبَرَاهِمَةِ، وَقَصَدَ بَابَ الملِكِ، وَسَأَلَ عَنْ صَاحِبِ إِذْنِهِ وَأُرْشِدَ إِلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ، وَأَعْلَمَهُ وَقَالَ لَهُ: إِنِّي رَجُلٌ قَصَدْتُ المَلِكَ فِي نَصِيحَةٍ.
فَدَخَلَ الآذِنُ عَلَى المَلِكِ فِي وَقْتِهِ، وَقَالَ: بِالبَابِ رَجُلٌ مِنَ البَرَاهِمَةِ يُقَالُ لَهُ بَيْدَبَا، ذَكَرَ أَنَّ مَعَهُ لِلْمَلِكِ نَصِيحَةً، فَأَذِنَ لَهُ، فَدَخَلَ وَوَقَفَ بين يَدَيْهِ وَكَفَّرَ[12] وَسَجَدَ لَهُ وَاسْتَوَى قَائِمًا وَسَكَتَ.
وَفَكَرَ دَبْشْلِيمُ في سُكُوتِهِ، وَقَالَ: إِنَّ هَذَا لَمْ يَقْصِدْنَا إِلَّا لِأَمْرَينِ: إِمَّا لالتِمَاسِ شَيءٍ مِنَا يُصْلِحُ بهِ حَالَهُ، وَإِمَّا لِأمْرٍ لَحِقَهُ فَلَمْ تَكُن لَهُ بِهِ طَاقَةٌ. ثُمَّ قَالَ: إِنْ كَانَ لِلْمُلُوكِ فَضْلٌ فِي مَمْلَكَتِهَا فَإِنَّ لِلحُكَمَاءِ فَضْلًا فِي حِكْمَتِهَا أَعْظَمَ، لِأَنَّ الحُكَمَاءَ أَغْنِيَاءُ عَنِ المُلُوكِ بالعِلْمِ وَلَيْسَ المُلُوكُ بِأَغْنِيَاءَ عَنِ الحُكَماءِ بِالمَالِ، وَقَدْ وَجَدْتُ العِلْمَ وَالحَيَاءَ إلفَيْنِ مُتَآلِفَيْنِ لَا يَفْتَرِقَانِ، مَتَى فُقِدَ أَحَدُهُمَا لم يُوجَدِ الآخَرُ، كَالمُتَصَافِيَيْنِ إِنْ عُدمَ مِنْهُمَا أَحَدٌ لَمْ يَطِبْ صَاحِبُهُ نَفْسًا بِالبَقَاءِ بَعْدَهُ تَأَسَفًا عَلَيْهِ. وَمَنْ لَمْ يَسْتَحْيِ مِنَ الحُكَمَاءِ وَيُكرِمُهُمْ وَيَعرِفْ فَضْلَهُمْ عَلَى غَيْرِهِمْ، وَيَصُنْهُمْ عَنِ المَوَاقِفِ الوَاهِنَةِ، وَيُنَزِّهْهُمْ عَنِ المَوَاطِنِ الرَّذْلَةِ كَانَ مِمَنْ حُرِمَ عَقْلَهُ، وَخَسِرَ دُنْيَاهُ، وَظَلَمَ الحُكَماءَ حُقُوقَهُمْ، وَعُدَّ مِنَ الجُهَّالِ. ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى بَيْدَبَا، وَقَالَ لَهُ: نَظَرْتُ إِلَيْكَ يا بَيْدَبَا سَاكِتًا لا تَعْرِضُ حَاجَتِكَ، وَلَا تَذْكُرُ بُغْيَتَكَ، فَقُلْتُ: إِنَّ الَّذِي أَسْكَتَهُ هَيْبَةٌ سَاوَرَتْهُ أَوْ حَيْرَةٌ أَدْرَكَتْهُ، وَتَأَمَلْتُ عِندَ ذلك من طُولٍ وُقُوفِكَ، وَقُلْتُ: لَمْ يَكُن لِبَيْدَبَا أَنْ يَطْرُقَنَا عَلَى غيرِ عَادةٍ إلَّا لِأَمرٍ حَرَّكَهُ لِذلِكَ، فَإِنَّهُ مِنْ أَفْضَلِ أَهْلِ زَمَانِهِ. فَهَلَا نَسْأَلُهُ عَنْ سَبَبٍ دُخُولِهِ! فَإِنْ يَكُن مِنْ ضَيْمٍ نَالَهُ، كُنتُ أَوْلَى مَنْ أَخَذَ بِيَدِهِ وَسَارَعَ في تَشْرِيفِهِ، وَتَقَدَّمَ فِي البُلُوغِ إِلَى مُرَادِهِ وَإِعْزَازِهِ، وَإِنْ كَانَتْ بُغْيَتُهُ غَرَضًا مِنْ أَغْراضِ الدُّنْيَا أَمَرْتُ بِإِرْضَائِهِ مِنْ ذلِكَ فِيمَا أَحَبَّ، وَإِن يَكُنْ مِنْ أَمْرِ المُلْكِ، وَمِمَّا لَا يَنْبَغِي لِلْمُلُوكِ أنْ يَبْذُلُوهُ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَلَا يَنْقَادُوا إلَيْهِ نَظَرْتُ فِي قَدْرِ عُقُوبَتِهِ، عَلَى أَنَّ مِثْلَهُ لَمْ يَكُنْ لِيَجْتَرِئَ عَلَى إِدْخالِ نَفْسِهِ فِي بَابِ مَسْأَلَةِ المُلُوكِ، وَإِنْ كَانَ شَيْئًا مِنْ أُمُورِ الرعيَّةِ يَقْصِدُ فيه أنِّي أصْرِفُ عِنَايَتِي إِلَيْهِمْ، نَظَرْتُ مَا هُوَ، فَإِنَّ الحُكَماءَ لَا يُشِيرُونَ إِلَّا بِالخَيْرِ، وَالجُهَّالَ يُشِيرُونَ بِضِدِّهِ. وَأَنَا قَدْ فَسَحْتُ لَكَ فِي الكَلَامِ.
فَلَمَّا سَمِعَ بَيْدَبَا ذلِكَ مِنَ الملِكِ أَفْرَخَ رَوْعَهُ[13]، وَسُرِّيَ عَنْهُ مَا كَانَ وَقَعَ فِي نَفْسِهِ مِنْ خَوْفِهِ وَكَفَّرَ لَهُ وَسَجَدَ، ثُمَّ قَامَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَقَالَ: أَوَّلَ مَا أَقُولُ أَسْأَلُ اللهَ تَعَالَى بَقَاءَ المَلِكِ عَلَى الأَبَدِ، وَدَوَامَ مُلْكِهِ عَلَى الأَمَدِ، لِأَنَّ المَلِكَ قَدْ مَنَحَنِي فِي مَقَامِي هَذَا مَحَلَّا جَعَلَهُ شَرَفًا لِي عَلَى جَمِيعِ مَنْ بَعْدِى مِنَ العُلَمَاءِ، وَذِكْرًا بَاقِيًا على الدَّهْرِ عِنْدَ الحُكَمَاءِ.
ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى المَلِكِ بِوَجْهِهِ، مُسْتَبْشِرًا بِهِ فَرِحًا بِمَا بَدَا لَهُ مِنْهُ، وَقَالَ: قَدْ عَطَفَ المَلِكُ عَلَيَّ بِكَرَمِهِ وَإِحْسَانِهِ. وَالأَمْرُ الَّذِي دَعَانِي إِلَى الدُّخُولِ عَلَى المَلِكِ، وَحَمَلَنِي عَلَى المُخَاطَرَةِ لِكَلَامِهِ، وَالإقْدَامِ عَلَيْهِ، نَصِيْحَةٌ اخْتَصَصْتُهُ بِهَا دُونَ غَيْرِهِ، وَسَيَعْلَمُ مَنْ يَتَّصِلُ به ذلِكَ أنِّي لم أُقَصِّرْ عَنْ غَايَةٍ فِيمَا يَجِبُ لِلْمَوْلَى عَلَى الحُكَمَاءِ. فَإِنْ فَسَحَ فِي كَلامِي وَوَعَاهُ عَنِّى فَهُوَ حَقِيقٌ بِذَلِكَ وَمَا يَرَاهُ، وَإِنْ هُوَ أَلْقَاهُ فَقَدْ بَلَغْتُ مَا يَلْزَمُنِي وَخَرَجْتُ مِنْ لَوْمٍ يَلْحَقُنِي.
قَالَ المَلِكُ: يَا بَيْدَبَا تَكَلَّمْ كَيْفَ شِئْتَ، فَإِنَّنِي مُصْغٍ إلَيْكَ، وَمُقْبِلٌ عَلَيْكَ، وَسَامِعٌ مِنْكَ، حَتَّى أَسْتَفْرِغَ مَا عِنْدَكَ إِلَى آخِرِهِ، وَأُجَازِيَكَ عَلَى ذَلِكَ بِمَا أَنْتَ أَهْلُهُ.
قَالَ بَيْدَبَا: إِنِّي وَجَدْتُ الأُمُورَ الَّتِي اخْتُصَّ بِهَا الإِنْسَانُ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الحَيَوَانِ أَرْبَعَةَ أَشْيَاءَ، وَهِيَ جُمَّاعُ [14]مَا فِي العَالَمِ، وَهِيَ الحِكْمَةُ وَالعِفَّةُ وَالعَقْلُ وَالعَدْلُ. وَالعِلْمُ وَالأَدَبُ وَالرَّوِيَّةُ دَاخِلَةٌ فِي بَابِ الحِكْمَةِ. وَالحِلْمُ وَالصَّبْرُ وَالوَقَارُ دَاخِلَةٌ فِي بَابِ العَقْلِ. وَالحَيَاءُ وَالكَرَمُ وَالصَّيَانَةُ وَالأَنْفَةُ دَاخِلَةٌ فِي بَابِ العِفَّةِ. وَالصِّدْقُ والإحْسَانُ وَالمُرَاقَبَةُ وَحُسْنُ الخُلُقِ دَاخِلَةٌ فِي بَابِ العَدْلِ. وهذه هِيَ المحَاسِنُ، وَأَضْدَادُهَا هِيَ المَسَاوِئُ. فَمَتَى كَمَلَتْ هَذِهِ في وَاحِدٍ لَمْ تُخْرِجْهُ الزِّيَادَةُ فِي نِعْمَةٍ إلى سُوءِ الحَظِّ مِنْ دُنْيَاهُ وَلَا إِلَى نَقْصٍ فِي عُقْبَاهُ، وَلَمْ يَتَأَسَفْ عَلَى مَا لَمْ يُعِنِ التَّوْفِيقُ بِبَقَائهِ، وَلَمْ يُحْزِنَهُ مَا تَجْرِي بِهِ المَقَادِيرُ فِي مُلْكِهِ، وَلَمْ يَدْهَشْ عِنْدَ مَكْرُوهٍ. فَالحِكْمَةُ كَنْزٌ لَا يَفْنَى عَلَى إِنْفَاقٍ، وَذَخِيرَةٌ لَا يَضُرَبُ لهَا بِالإمْلَاقِ، وَحُلَّةٌ لَا تَخْلَقُ جِدَّتُهَا [15] ، وَلَذَّةٌ لَا تُصْرَمُ[16] مُدَّتُهَا. وَلَئِنْ كُنتُ عِندَ مَقَامِي بَيْنَ يَدَيْ المَلِكِ أَمْسَكْتُ عَنِ ابْتِدَئِهِ بِالكَلَام إِنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مِنِّي إِلَّا لِهَيْبَتِهِ وَالإِجْلَالِ لَهُ. ولَعَمْرِي إِنَّ المُلُوكَ لَأَهْلٌ أَنْ يُهَابُوا، لَاسيَّما مَنْ هُوَ فِي المَنْزِلَةِ الَّتِي جَلَّ فِيهَا المَلِكُ عَنْ مَنَازِلِ المُلُوكِ قَبْلَهُ، وَقَدْ قَالَتِ العُلَمَاءُ: اِلزَمِ السُّكُوتَ، فَإِنَّ فِيهِ سَلَامَةً، وَتَجَنَّبِ الكَلَامَ الفَارِغَ، فَإِنَّ عاقِبَتَهُ النَّدَامَةُ. وَحُكِيَ أَنَّ أَرْبَعَةً مِنَ العُلَمَاءِ ضَمَّهُمْ مَجْلِسُ مَلِكٍ فَقَالَ لَهُمْ: لِيَتَكَلَّمْ كُلٌّ بِكَلَامٍ يَكُونُ أَصْلًا لِلْأَدَبِ.
فَقَالَ أَحَدُهُمْ: أَفْضَلُ خَلَّةِ العِلْمِ السُّكُوتُ.
وَقَالَ الثَّانِي: إِنَّ مِنْ أَنْفَعِ الأَشْيَاءِ لِلْإِنسَانِ أَنْ يُعْرَفَ قَدْرُ مَنْزِلَتِهِ مِنْ عَقْلِهِ.
وَقَالَ الثَّالِثُ: أَنْفَعُ الأَشْيَاءِ لِلإنْسَانِ أَلَّا يَتَكَلَّمَ بِمَا لا يَعْنِيهِ.
وَقَالَ الرَّابِعُ: أرْوَحُ الأُمُورِ عَلَى الإِنسَانِ التَّسْلِمُ لِلْمَقَادِيرِ.
وَاجْتَمَعَ فِي بَعْضِ الزَّمَانِ مُلُوكُ الأقاليم مِنَ الصِّينِ وَالهِنْدِ وَفَارِسَ وَالرُّومِ، وَقَالُوا: يَنْبغِي أنْ يَتَكَلَّمَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا بِكَلِمَةٍ تُدَوَّنُ عَنْهُ عَلَى غَابِرِ الدَّهْرِ.
فَقَالَ مَلِكُ الصِّينِ: أَنَا عَلَى مَا لَمْ أَقُل أَقْدَرُ مِنْي عَلَى رَدْ مَا قُلتُ.
وَقَالَ مَلِكُ الهِنْدِ: عَجِبْتُ لِمَنْ يَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ فَإِنْ كَانَتْ لَهُ لَمْ تَنْفَعْهُ، وَإِنْ كَانَتْ عَلَيْهِ أوْبَقَتْهُ.
وَقَالَ مَلِكُ فَارِسَ: أَنَا إِذَا تَكَلَّمْتُ بِالكَلمَةِ مَلَكَتْنِي وَإِذَا لَمْ أَتَكَلَّمْ بِهَا مَلَكْتُهَا.
وَقَالَ مَلِكُ الرُّومِ: مَا نَدِمْتُ عَلَى مَا لَمْ أَتَكَلَّمْ بِهِ قَط، وَلَقَدْ نَدِمْتُ عَلَى مَا تَكَلَّمْتُ بِهِ كَثِيرًا والسُكُوتُ عِندَ المُلوكِ أَحْسَنُ مِنْ الهَذَرِ الذِي لَا يُرْجَعُ مِنْهُ إلَى نَفْعِ. وَأَعْضَلُ مَا اسْتُضِلَّ بِهِ الإِنْسَانُ لِسَانُهُ[17].
غَيْرَ أَنَّ المَلِكَ، أَطَالَ اللهُ مُدَّتَهُ، لَمَّا فَسَحَ لِي فِي الكَلَامِ وَأَوْسَعَ لِي فِيهِ، كَانَ أَولَى مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنَ الأُمُوْرِ الَّتِي هِيَ غَرَضِيَ أَنْ تَكُونَ ثَمَرَةُ ذلِكَ لَهُ دُونِي، وَأَنْ أَخْتَصُهُ بِالفَائِدَةِ قَبْلِي. عَلَى أَنَّ العُقَبَى هِيَ مَا أَقْصِدُ فِي كَلامِي لَهُ، وَإِنَّمَا نَفَعُهُ وَشَرَفُهُ رَاجِعُ إِلَيْه، وَأكُونُ أَنَا قَدْ قَضَيْتُ فَرْضًا وَجَبَ عَلَيَّ، فَأَقُولُ: أَيُّهَا المَلِكُ إِنَّكَ فِي مَنَازِلِ آبَائِكَ وَأَجْدَادِكَ مِنَ الجَبَابِرَةِ الَّذِينَ أَسَسُوا المُلْكَ قَبْلَكَ، وَشَيَدُوهُ دُونَكَ، وَبَنَوا القِلَاعَ وَالحُصُونَ، وَمَهَّدُوا البِلَادَ، وَقَادُوا الجُيُوشَ، وَاسْتَجَاشُوا العُدَّةَ، وَطَالَتْ لهمُ المُدَّةُ، وَاسْتَكْثَرُوا مِنَ السِّلاحِ والكُرَاعِ، وَعَاشُوا الدُّهُورَ، في الغِبْطَةِ وَالسُّرُورِ، فَلَمْ يَمَنعْهُمْ ذَلِكَ مِنَ اكْتِسَابِ جَمِيلِ الذِّكْرِ، وَلَا قَطَعَهُمْ عَنِ اغْتِنَامِ الشُّكْرِ، وَلَا اسْتِعْمَالِ الإِحْسَانِ إِلَى مَنْ خَوَّلُوهُ، وَالإِرْفَاقِ بِمَنْ وَلُّوهُ، وَحُسْنِ السِّيرَةِ فِيمَا تَقَلَّدُوهُ، مَعَ عِظَم مَا كَانُوا فِيهِ مِنْ غِرَّةِ المُلْكِ، وَسَكْرَةِ الاِقْتِدَارِ، وَإِنَّكَ أَيُّهَا المَلِكُ السَّعِيدُ جَدُّهُ، الطَّالِعُ كَوْكَبُ سَعْدِهِ، قَدْ وَرَثْتَ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَمَنَازِلَهُم الَّتي كَانَتْ عُدَّتَهُمْ، فَأَقَمْتَ فِيمَا خُوِّلْتَ مِنَ المُلْكِ وَوَرِثْتَ مِنْ الأَمْوَالِ وَالجُنُودِ، فَلَمْ تَقُمْ فِي ذَلِكَ بِحَقِّ مَا يَجِبُ عَلَيْكَ، بَلْ طَغَيْتَ وَبَغَيْتَ وَعَتَوْتَ وَعَلَوْتَ عَلَى الرَّعِيَّة، وَأَسَأتَ السِّيرَةَ، وَعَظُمَتْ مِنْكَ البَلِيَّةُ، وَكَانَ الأُولَى وَالأَشْبَهَ بِكَ أَنْ تَسْلُكَ سَبِيلَ أَسْلَافِكَ، وَتَتْبَعَ آثَارَ المُلُوكِ قَبْلَكَ وَتَقْفُوَ مَحَاسِنَ مَا أَبْقَوْهُ لَكَ، وَتُقْلِعَ عَمَّا عَارُهُ لَازِمُ لَكَ، وَشَيْنُهُ وَاقِعُ بِكَ، تُحْسِنُ النَّظَرَ بِرَعِيَّتِكَ، وَتَسُنُّ لهُم سُنَنَ الخيْرِ الَّذِي يَبْقَى بَعْدَكَ ذِكرُهُ، وَيُعْقِبُكَ الجَميلَ فَخْرُهُ، وَيَكُونُ ذلِكَ أَبْقَى عَلَى السَّلَامَةِ وَأَدْوَمَ عَلَى الاسْتِقَامَةِ. فَإِنَّ الجَاهِلَ المُغْتَرَّ مَنِ اسْتَعْمَلَ في أُمُورِهِ البَطَرَ والأُمْنِيَةَ، وَالحَازِمَ اللَّبِيبَ مَنْ سَاسَ المُلْكَ بالمُدَارَاةِ والرِّفْقِ، فَانْظُرْ أَيُّهَا المَلِكُ مَا أَلْقَيْتُ إِلَيْكَ، وَلَا يَثْقُلَنَّ ذلِكَ عَلَيْكَ، فَلَمْ أَتَكَلَّمْ بِهَذَا ابْتِغَاءَ غَرَضٍ تُجَازِينِي به، وَلَا التِمَاسَ مَعْرُوفٍ تُكَافِئُنِي فِيهِ، وَلَكِى أَتَيْتُكَ نَاصِحاً مُشْفقًا عَلَيْكَ.
فَلَمَّا فَرَغَ بَيْدَبَا مِنْ مَقَالَتِهِ، وَقَضَى مُنَاصَحَتَهُ، أَوْغَرَ صَدْرَ الملِكِ فَأَغْلَظَ لَهُ فِي الجَوَابِ اسْتِصْغَارًا لِأَمْرِهِ، وَقَالَ: لَقَدْ تكَلَّمْتَ بِكَلَامٍ مَا كُنتُ أَظُنُّ أَنَّ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ مَمْلَكَتِي يَسْتَقْبِلُنِي بِمثلِهِ، وَلَا يُقْدِمُ عَلَى مَا أَقْدَمْتَ عَلَيْهِ. فَكَيْفَ أَنتَ مع صِغَرِ شَأْنِكَ، وَضَعْفِ مُنَّتِكَ [18] وَعَجْزِ قُوتِكَ؟ وَلَقَدْ أَكْثَرْتَ إِعْجَابِي مِنْ إِقْدَامِكَ عَلَيَّ، وَتَسَلُّطِكَ بِلِسَانِكَ فِيمَا جَاوَزْتَ فِيهِ حَدَّكَ. وَمَا أَجِدُ شَيْئًا فِي تَأْدِيبِ غَيْرِكَ أَبْلَغَ مِنَ التَنْكِيلِ بِكَ. فَذَلِكَ عِبْرَةٌ وَمَوْعِظَةٌ لِمَنْ عَسَاهُ أَن يَبْلُغَ وَيَرُومَ مَا رُمْتَ أَنتَ مِنَ المُلُوكِ إِذَا أَوْسَعُوا لَهُمْ فِي مَجَالِسِهِمْ. ثُمَّ أَمَرَ بِهِ أَنْ يُقْتَلَ وَيُصْلَبَ.
فَلَمَّا مَضَوا بِهِ فِيمَا أَمَرَ، فَكَرَ فِيمَا أَمَرَ بِهِ فَأَحْجَمَ عَنْهُ، ثُمَّ أَمَرَ بِحَبْسِهِ وَتَقْيِيدِهِ. فَلَمَّا حُبِسَ أَنْفَذَ المَلكُ فِي طَلَبِ تَلَامِيذِهِ وَمَنْ كَانَ يَجْتَمِعُ إِلَيْهِ فَهَرَبُوا فِي البِلَادِ وَاعْتَصَمُوا بِجَزَائِرِ البِحَارِ. فَمَكَثَ بَيْدَبَا فِي مَحْبَسِهِ أَيَّامًا لَا يَسْأَلُ المَلِكُ عَنْهُ، وَلَا يَلْتَفِتُ إلَيْهِ، وَلَا يَجْسُرُ أَحَدُ أَنْ يَذْكُرَهُ عِندَهُ، حَتَّى إِذَا كَانَ لَيْلَةٌ مِنَ اللَّيَالِي سَهِدَ المَلِكُ سُهْدًا شَدِيدًا، فَطَالَ سُهْدُهُ، وَمَدَّ إِلَى الفَلَكِ بَصَرَهُ، وتَفَكَّرَ فِي تَفَلُّكِ الفَلَكِ وَحَرَكَاتِ الكَوَاكِبِ، فَأَغْرَقَ الفَكْرَ فِيهِ، فَسَلَكَ بِهِ إِلَى اسْتِنْبَاطِ شَيْءٍ عَرَضَ لَهُ مِنْ أُمُورِ الفَلَكِ، وَالمَسْأَلَةِ عَنْهُ. فَذَكَرَ عِنْدَ ذَلِكَ بَيْدَبَا، وَتَفَكَّرَ فِيمَا كَلَّمَهُ بِهِ، فَارْعَوَى[19] لِذلِكَ. وَقَالَ فِي نَفْسِهِ: لَقَدْ أَسَأْتُ فِيمَا صَنَعْتُ بِهذَا الفَيْلَسُوفِ، وَضَيَّعْتُ وَاجِبَ حَقِّهِ، وَحَمَلَنِي عَلَى ذَلِكَ سُرْعَةُ الغَضَبِ.
وَقَدْ قَالَتِ العُلَمَاءُ: أَرْبَعَةُ لَا يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ في المُلُوكِ:
الغَضَبُ فَإِنَّهُ أَجْدَرُ الأَشْيَاءِ مَقْتًا.
وَالبُخْلُ فَإِنَّ صَاحِبَهُ لَيْسَ بِمَعْذُورٍ مَعَ ذَاتِ يَدِهِ.
وَالكَذِبُ فَإِنَّهُ لَيْسَ لِأَحَدٍ أنْ يُجَاوِرَهُ.
وَالعُنْفُ فِي المُحاوَرَةِ فَإِنَّ السَّفَهَ لَيْسَ مِنْ شَأْنِهَا.
وَإِنِّي أَتَى إِلَيَّ رَجُلٌ نَصَحَ لِي، وَلَمْ يَكُن مُبلِّغًا، فَعَامَلَتُهُ بِضِدِّ مَا يَسْتَحِقُ، وَكَافَأَتُهُ بِخِلَافِ مَا يَسْتَوْجِبُ، وَمَا كَانَ هَذَا جَزَاءَهُ مِنِّي، بَلْ كَانَ الوَاجِبَ أَنْ أَسْمَعَ كَلَامَهُ، وَأَنْقَادَ لِمَا يُشِيرُ بِهِ. ثُمَّ أَنْفَذَ فِي سَاعَتِهِ مَنْ يَأْتِيهِ بِهِ.
فَلَمَّا مَثَلَ بَيْنَ يَدَيْهِ قَالَ لَهُ: يَا بَيْدَبَا أَلَسْتَ الَّذِي قَصَدْتَ إِلَى تَقْصِيرِ هِمَّتِي، وَعَجَّزْتَ رَأْيِي في سِيرَتِي بِمَا تَكَلَمْتَ بِهِ آنِفًا؟
قَالَ لَهُ بَيْدَبَا: أَيُّهَا المَلِكُ النَّاصِحُ الشَّفِيقُ، وَالصَّادِقُ الرَّفِيقُ، إِنَّمَا نَبَأْتُكَ بِمَا فِيهِ صَلَاحٌ لَكَ ولِرَعِيَّتِكَ، وَدَوَامُ مُلْكِكَ لَكَ.
قَالَ لَهُ المَلِكُ: يَا بَيْدَبَا أَعِدَ عَلَيَّ كَلَامَكَ كُلَّهُ، وَلَا تَدَعْ مِنْهُ حَرْفًا إِلَّا جِئْتَ بِهِ. فَجَعَلَ بَيْدَبَا يَنْثُرُ كَلَامَهُ، وَالمَلِكُ مُصْغٍ إِلَيْهِ. وَجَعَلَ دَبْشَلِيمُ كُلَّمَا سَمِعَ مِنْهُ شَيْئًا يَنكُتُ الأَرْضَ بِشَيْءٍ كَانَ فِي يَدِهِ. ثُمَّ رَفَعَ طَرْفَهُ إِلَى بَيْدَبَا، وَأَمَرَهُ بِالجُلُوسِ، وَقَالَ لَهُ: يَا بَيْدَبَا، إِنِّي قَدِ اسْتَعْذَبْتُ كَلَامَكَ وَحَسُنَ مَوْقِعُهُ مِنْ قَلْبِي، وَأَنَا نَاظِرٌ فِي الَّذِي أَشَرْتَ بهِ، وَعَامِلُ بِمَا أَمَرْتَ. ثُمَّ أَمَرَ بِقُيُودِهِ فَحُلَّتْ، وَأَلْقَى عَلَيْهِ مِنْ لِبَاسِهِ، وَتَلَقَّاهُ بِالقَبُولِ.
فَقَالَ بَيْدَبَا: يَأَيُّهَا المَلِكُ، إِنَّ في دُونِ مَا كَلَمْتُكَ بِهِ نُهْيَةً لِمثْلِكَ.
قَالَ: صَدَقْتَ أَيُّهَا الحَكِيمُ الفَاضِلُ، وَقَدْ وَلَيْتُكَ مِنْ مَجْلِسِي هَذَا إِلَى جَميعِ أَقَاصِي مَمْلَكَتِي.
فَقَالَ لَهُ: أَيُّهَا المَلِكُ أَعْفِنِي مِنْ هَذَا الأَمْرِ، فَإِنِّي غَيْرُ مُضْطَلعٍ بِتَقْويمِهِ إِلَّا بِكَ، فَأَعْفَاهُ مِنْ ذَلِكَ. فَلَمَّا انْصَرَفَ، علم أنَّ الَّذِى فَعَلَهُ لَيْسَ بِرَأيٍ، فَبَعَثَ فَرَدَّهُ.
وَقَالَ: إِنِّي فَكَّرْتُ في إعْفَائِكَ مِمَّا عَرَضْتُهُ عَلَيْكَ فَوَجَدْتُهُ لَا يَقُومُ إِلَّا بِكَ، وَلَا يَنْهَضُ بِهِ غَيْرُكَ، وَلَا يَضْطَلِعُ بِهِ سِوَاكَ. فَلَا تُخَالِفْنِي فيه. فَأَجَابَهُ بَيْدَبَا إلى ذلك.
وكَانَ عَادَةَ مُلُوكَ ذلِكَ الزَّمَانِ إِذَا اسْتَوْزَرُوا وَزِيرًا أَنْ يَعْقِدُوا عَلَى رَأْسِهِ تَاجاً، وَيُرْكَبَ فِي أَهْلِ المملَكَةِ، وَيُطَافَ بِهِ فِي المَدِينَةِ. فَأَمَرَ المَلِكُ أَنْ يُفْعَلَ بِبَيْدَبَا ذَلِكَ. فَوُضِعَ التَّاجُ عَلَى رَأْسِهِ، ورَكِبَ فِي المَدِينَةِ وَرَجَعَ فَجَلَسَ بِمَجْلِسِ العَدْلِ وَالإِنْصَافِ، يَأْخُذُ لِلدَّنِي مِنَ الشَّرِيفِ، وَيُسَاوِي بَيْنَ القَوِيِّ والضَّعِيفِ، وَرَدَّ المَظَالِمَ، وَوَضَعَ سُنَنَ العَدْلِ، وَأَكْثَرَ مِنَ العَطَاءِ وَالبَذْلِ.
وَاتَّصَلَ الخَبَرُ بِتَلَامِيذِهِ فَجَاءُوهُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ، فَرِحِينَ بِمَا جَدَّدَ اللهُ لَهُ مِنْ جَدِيدِ رَأَيِ المَلِكِ فِي بَيْدَبَا، وَشَكُرُوا اللهَ تَعَالَى عَلَى تَوْفِيقِ بَيْدَبَا فِي إِزَالَةِ دَبْشَلِيمَ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ سُوءِ السِّيرَةِ، وَاتَّخَذُوا ذَلِكَ اليَوْمَ عِيدًا يُعَيِّدُونَ فِيهِ فَهُوَ إِلَى اليَوْمِ عِيدٌ عِنْدَهُم فِي بِلادِ الهِنْدِ.
ثُمَّ إِنَّ بَيْدَبَا لَمَّا أَخْلَى فِكَرَهُ مِنَ اشْتِغَالِهِ بِدَبْشَلِيمَ، تَفَرَّغَ لِوَضْعِ كُتُبِ السِّيَاسَةِ وَنَشِطَ لهَا، فَعَمِلَ كُتُباً كَثِيرَةً، فِيهَا دقَائِقُ الحِيَلِ.
وَمَضَى المَلِكُ عَلَى مَا رَسَمَ لَهُ بَيْدَبَا مِنْ حُسْنِ السِّيرَةِ وَالعَدْلِ فِي الرَّعِيَّةِ. فَرَغِبَتْ إِلَيْهِ المُلُوكُ اللَّذِينَ كَانُوا في نَوَاحِيهِ، وانْقَادَتْ لَهُ الأُمُورُ عَلَى اسْتِوَائِهَا. وَفَرِحَتْ بِهِ رَعِيتُهُ وَأَهْلُ مَمْلَكَتِهِ.
ثُمَّ إِنَّ بَيْدَبَا جَمَعَ تَلَامِيذَهُ فَأَحْسَنَ صِلَتَهُمْ، ووَعَدَهُمْ وَعْدًا جَمِيلًا، وَقَالَ لهُمْ: لَسْتُ أَشُكُّ أنَّهُ وَقَعَ في نُفُوسِكُم وَقْتَ دُخُولِي عَلَى المَلِكِ أَنْ قُلْتُمْ: إِنَّ بَيْدَبَا قَدْ ضَاعَتْ حِكْمَتُهُ، وَبَطَلَتْ فِكْرَتُهُ، إِذْ عَزَمَ عَلَى الدُّخُولِ عَلَى هَذَا الجَبَّارِ الطَّاغِي. فَقَدْ عَلِمْتُمْ نَتِيجَةَ رَأيِي وَصِحَّةَ فِكْرِي، وَإِنِّي لَمْ آتِهِ جَهْلًا بِهِ. لأَنَّي كُنتُ أَسْمَعُ مِنَ الحُكَمَاءِ قَبْلِي تَقُولُ: إِنَّ المُلُوكَ لَهَا سَورَةٌ كَسَوْرَةِ الشَّرَابِ[20]، فَالمُلُوكُ لَا تُفِيقُ مِنَ السَّوْرَةِ إِلَّا بِمَوَاعِظِ العلماءِ وَأَدَبِ الحُكَمَاءِ. وَالوَاجِبُ عَلَى المُلُوكِ أَن يَتَّعِظُوا بمَوَاعِظِ العُلَمَاءِ. وَالوَاجِبُ عَلَى العُلَمَاءِ تَقْوِيمُ المُلُوكِ بِأَلْسِنَتِها، وتَأْدِيبُهَا بِحِكْمَتِهَا، وَإِظْهَارُ الحُجَةِ البَيِّنَةِ اللَّازِمَةِ لهُمْ، ليَرْتَدِعُوا عَمَّا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الاِعْوِجَاجِ وَالخُرُوجِ عَنِ العَدْلِ. فَوَجَدْتُ مَا قَالَتِ العَلَمَاءُ فَرْضًا وَاجِبًا عَلَى الحكماء لِمُلُوكِهِمْ لِيُوقِظُوهُم مِنْ رَقْدَتِهِمْ وسِنَةِ سَكْرَتِهم، كَالطَّبِيبِ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ فِي صِنَاعَتِهِ حِفْظُ الأَجْسَادِ عَلَى صِحَّتِهَا أو رَدُهَا إلى الصِّحَّةِ. فَكَرِهْتُ أنْ يَمُوتَ أو أَمُوتَ وَمَا يَبْقَى عَلَى الأَرْضِ إِلَّا مَنْ يَقُولُ: إِنَّهُ كَانَ بَيْدَبَا الفَيْلَسُوفُ فِي زَمَانِ دَبْشَلِيمَ الطَّاغِي فَلَمْ يَرُدَّهُ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: إِنَّهُ لَمْ يُمْكِنْهُ كَلَامُهُ خَوْفًا عَلَى نَفْسِهِ، قَالُوا: كَانَ الهَرَبُ مِنْهُ ومِنْ جَوَارِهِ أَوْلَى بِه، وَالاِنْزِعَاجُ عَنِ الوَطَنِ شَدِيدٌ، فَرَأَيْتُ أَنْ أَجُودَ بِحَيَاتِي، فَأَكُونَ قَدْ أَتَيْتُ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَ الحُكَمَاءِ بَعْدِي عُذْرًا. فَحَمَلْتُهَا عَلَى التَّغْرِيرِ[21] أَوِ الظَّفَرِ بِمَا أرِيدُهُ. وَكَانَ مِنْ ذَلِكَ مَا أَنْتُمْ مُعَايِنُوهُ: فَإِنَّهُ يُقَالُ فِي بَعْض الأَمْثَالِ: إِنَّهُ لَمْ يَبْلُغْ أَحَدٌ مَرْتَبَةً إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ:
إِمَّا بِمَشَقَةٍ تَنَالُهُ فِي نَفْسِهِ.
وإِمَّا بِوَضِيعَةٍ فِي مَالِهِ.
أَوْ وَكْسٍ فِي دِينِهِ[22].
وَمَنْ لم يِرْكَبِ الأَهْوَالَ لَمْ يَنَلِ الرَّغَائِب.
وَإِنَّ المَلِكَ دَبْشَلِيمَ قَدْ بَسَطَ لِسَانِي فِي أَنْ أَضَعَ كِتَابًا فِيهِ ضُرُوبُ الحِكْمَةِ، فَلْيَضَعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ شَيْئًا فِي أَيِّ فَنٍّ شَاءَ، وَلْيَعْرِضْهُ عَلَيَّ لِأَنْظُرَ مِقْدَارَ عَقْلِهِ، وَأَيْنَ بَلَغَ مِنَ الحِكْمَةِ فَهُمُهُ.
قَالُوا: أَيُّهَا الحَكِيمُ الفَاضِلُ، واللبِيبُ العَاقِلُ، وَالَّذِى وَهَبَ لَكَ مَا مَنَحَكَ مِنَ الحِكْمَةِ وَالعَقْلِ وَالأَدَبِ وَالفَضِيلَةِ، مَا خَطَرَ هَذَا بِقُلُوبِنَا سَاعَةً قَطُّ. وَأَنْتَ رَئِيْسُنَا وَفَاضِلُنَا، وبِكَ شَرَفُنَا، وَعَلَى يَدِكَ انْتِعَاشُنَا، وَلَكِنْ سَنَجْهَدُ أَنْفُسَنَا فِيمَا أَمَرْتَ.
ومَكَثَ المَلِكُ عَلَى ذلِكَ مِنْ حُسْنِ السِّيرَةِ زَمَانًا يَتَوَلَّى ذَلِكَ لَهُ بَيْدَبَا وَيَقُومُ بِهِ.
ثُمَّ إِنَّ المَلِكَ دَبْشَلِيمَ لَمَّا اسْتَقَرَّ لَهُ المُلْكُ، وَسَقَطَ عَنْهُ النَّظَرُ في أُمُورِ الأَعْدَاءِ بِمَا قَدْ كَفَاهُ ذَلِكَ بَيْدَبَا، صَرَفَ هِمَتَهُ إِلَى النَّظَرِ فِي الكُتُبِ الَّتِي وَضَعَتْهَا فَلَاسِفَةُ الهِنْدِ لِآبَائِهِ وَأَجْدَادِهِ، فَوَقَعَ فِي نَفْسِهِ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَيْضًا كِتَابٌ مَشْرُوحٌ يُنْسَبُ إِلَيْهِ وتُذْكَرُ فِيه أيَّامُهُ كَمَا ذُكِرَ آبَاؤُهُ وَأَجْدَادُهُ مِنْ قَبْلِهِ. فَلَمَّا عَزَمَ على ذلِكَ، عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَقُومُ ذَلِكَ إِلَّا بِبَيْدَبَا، فَدَعَاهُ وَخَلَا بِهِ، وقَالَ لَهُ: يَا بَيْدَبَا، إنَّكَ حَكِيمُ الهِنْدِ وَفَيْلَسُوفُهَا، وإِنِّي فَكَّرْتُ ونَظَرْتُ في خَزَائِنِ الحِكْمَةِ الَّتِي كَانَتْ لِلمُلُوكِ قَبْلِي، فَلَمْ أَرَ فِيهِم أَحَدًا إِلَّا وَقَدْ وَضَعَ كِتاباً يَذْكُرُ فِيهِ أَيَّامَهُ وَسِيرَتَهُ، وَيُنْبِئُ عَنْ أدَبِهِ وَأَهْلِ مَمْلَكَتِهِ، فَمِنْهُ مَا وَضَعَتْهُ المُلُوكُ لأَنْفُسِهَا، وَذَلكَ لِفَضْلِ حِكْمَةٍ فِيهَا، وَمِنْهُ مَا وَضَعَتْهُ حُكَمَاؤُهَا. وَأَخَافُ أَنْ يلْحَقَنِي مَا لَحَقَ أُولَئِكَ مُما لا حِيْلَةَ لِي فِيهِ[23]، وَلَا يُوجَدُ فِي خَزَائِنِي كِتَابٌ أُذْكَرُ بِهِ بَعْدِي، وَيُنْسَبُ إِلَيَّ كمَا ذُكِرَ مَنْ كَانَ قَبْلي بِكُتُبهم. وَقَدْ أَحْبَبْتُ أَنْ تَضَعَ لِي كِتَابًا بَلِيْغًا تَسْتَفْرِغُ فِيهِ عَقْلَكَ يَكُونُ ظَاهِرُهُ سِيَاسَةَ العَامَّة َوتَأْدِيبَهَا، وَبَاطِنُهُ أَخْلَاقَ المُلُوكِ وَسِيَاسَتَها لِلرَّعِيَّةِ عَلَى طَاعَةِ المَلِكِ وَخِدْمَتِهِ، فَيَسْقُطُ بِذلِكَ عَنِّي وَعَنْهُمْ كَثِيرٌ ممَا نَحتَاجُ إلَيْهِ فِي مُعَانَاةِ المُلْكِ. وَأُرِيدُ أَنْ يَبْقَى لِي هَذَا الكِتَابُ بَعْدِي ذِكَرًا عَلَى غَابِرِ الدُّهُورِ.
فَلَمَّا سَمِعَ بَيْدَبَا كَلَامَهُ خَرَّ لَهُ سَاجِدًا، وَرَفَعَ رَأْسَهُ وَقَالَ: أَيُّهَا المَلِكُ السَّعِيدُ جَدهُ، عَلَا نَجْمُكَ، وَغَابَ نَحْسُكَ، وَدَامَتْ أَيَّامُكَ، إِنَّ الَّذِى قَدْ طُبِعَ عَلَيْهِ المَلِكُ مِنْ جَوْدَةِ القَرِيحَةِ وَوُفُورِ العَقْلِ حَرَّكَهُ لِعَالِي الأُمُورِ، وَسَمَتْ بِهِ نَفْسُهُ وَهَمَّتْهُ إِلَى أَشْرَفِ المَراتِبِ مَنْزِلةً، وَأَبْعَدِهَا غَايَةً، وَأَدَامَ اللهُ سَعَادَةَ المَلِك وَأَعَانَهُ عَلَى مَا عَزَمَ مِنْ ذلِكَ، وَأَعَانَنِي عَلَى بُلُوغ مُرَادِهِ. فَلْيَأمُر الملكُ بِمَا شَاءَ مِنْ ذلِكَ، فَإِنِّي صَائِرٌ إِلَى غَرَضِهِ، مُجْتَهِدٌ فِيهِ بِرَأْيِي.
قَالَ لَهُ المَلِكُ: يَا بَيْدَبَا لَم تَزَلْ مَوْصُوفًا بِحُسْنِ الرَّأي وَطَاعَةِ المُلُوكِ فِي أُمُورِهِمْ. وَقَدِ اخْتَبَرْتُ مِنْكَ ذلِكَ، وَاخْتَرْتُ أَنْ تَضَع هَذَا الكِتَابَ، وَتُعْمِلَ فِيهِ فِكْرَكَ، وَتُجْهِدَ فِيهِ نَفْسَكَ، بِغَايَةِ مَا تَجِدُ إِلَيْهِ السَّبِيلَ، وَليَكُنْ مُشْتَمِلًا عَلَى الجُدُ وَالهَزْلِ وَاللَّهْوِ وَالحِكْمَةِ وَالفَلْسَفَةِ، فَكَفَّرَ لَهُ بَيْدَبَا وَسَجَدَ، وَقَالَ: قَدْ أَجَبْتُ المَلِكَ أَدَامَ اللهُ أَيَّامَهُ إِلَى مَا أَمَرَنِي بِهِ، وَجَعَلْتُ بَيْنِي وَبَيْنَهُ أَجَلاً.
قَالَ: وَكَمْ هُوَ الأَجَلُ؟
قَالَ: سَنَةٌ.
قَالَ: قَدْ أجَّلْتُكَ.
وَأَمَرَ لَهُ بِجائِزَةٍ سَنِيَّةٍ تُعينُهُ عَلَى عَمَل الكِتَاب.
فَبَقِي بَيْدَبَا مُفَكَّراً في الأَخْذِ فِيهِ، وَفِي أَيِّ صُورَةٍ يَبْتَدِئُ بِهَا فِيهِ وَفِي وَضْعِهِ.
ثمَّ إِنَّ بَيْدَبَا جَمَعَ تَلَامِيذَهُ وَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ المَلِكَ قَدْ نَدَبَنِي لِأَمْرٍ فِيهِ فَخْرِي وَفَخْرُ بِلَادِكُمْ، وَقَدْ جَمَعْتُكُمْ لِهذَا الأَمْرِ. ثُمَّ وَصَفَ لَهُمْ مَا سَأَلَ المَلِكُ مِنْ أَمْرِ الكِتَابِ، وَالغَرَضَ الَّذِي قَصَدَ فِيهِ، فَلَمْ يَقَعْ لَهُمُ الفِكْرُ فِيهِ. فَلَمَّا لَمْ يَجِدْ عِنْدَهُمْ مَا يُرِيدُهُ فَكَّرَ بِفَضْلِ حِكْمَتِهِ، وَعَلِمَ أَنَّ ذَلِكَ أَمْرٌ إِنَّمَا يَتِمُّ بِاسْتِفْرَاغِ العَقْلِ وَإِعْمَالِ الفِكْرِ، وَقَالَ: أَرَى السَّفِينَةَ لَا تَجْرِي فِي البَحْرِ إِلَّا بِالمَلاحِينَ لأَنَّهُمْ يُعَدِّلُونَها، وَإِنَّمَا تَسْلُكُ اللُجَّةَ بِمُدَبِّرِهَا الَّذِي تَفَرَّدَ بِإِمْرَتِهَا، وَمَتَى شُحِنَتْ بِالرُّكَابِ الكَثِيرِينَ وَكَثُرَ مَلَّاحُوهَا لَمْ يُؤْمَنْ عَلَيْهَا مِنَ الغَرَقِ، وَلَمْ يَزَلْ يُفَكِّرُ فِيمَا يَعْمَلُهُ في بَابِ الكِتَابِ حَتَّى وَضَعَهُ عَلَى الاِنْفِرَادِ بِنَفْسِهِ، مَعَ رَجُلٍ مِنْ تَلَامِيذِهِ كَانَ يَثِقُ بِهِ فَخَلا بِهِ مُنْفَرِدًا مَعَهُ، بَعْدَ أَنْ أَعَدَّ مِنَ الوَرَقِ الَّذِي كَانَتْ تَكْتُبُ فِيهِ الهِندُ شَيْئًا، وَمِنَ القُوتِ مَا يَقُومُ بِهِ وَبِتِلْمِيذِهِ تِلْكَ المُدَّةَ. وَجَلَسَا فِي مَقْصُورَةٍ، وَرَدَّا عَلَيْهِمَا البَابَ، ثُمَّ بَدَأَ فِي نَظْم الكِتَابِ وَتَصْنِيفِهِ، وَلَمْ يَزَلْ هُوَ يُمْلِي وَتِلْمِيذُهُ يَكْتُبُ، وَيُرَجِّعُ هُوَ فِيهِ، حَتَّى اسْتَقَرَّ الكِتَابُ عَلَى غَايَةِ الإِتْقَانِ وَالإِحْكَامِ. وَرَتَّبَ فِيهِ أَرْبَعَةَ عَشْرَ بَابًا، كُلُّ بَابٍ مِنْهَا قَائِمٌ بِنَفْسِهِ. وَفِي كُلِّ بَابٍ مَسْأَلَةٌ وَالجَوَابُ عَنْهَا، لِيَكُونَ لِمَنْ نَظَرَ فِيهِ حَظِّ مِنَ الهِدَايَةِ. وَضَمَّنَ تِلْكَ الأَبْوَابَ كِتَابًا وَاحِدًا وَسَمَّاهُ “كِتَابَ كَلِيْلَةَ وَدِمْنَةَ”.
ثُمَّ جَعَلَ كَلَامَهُ عَلَى أَلْسُنِ البَهَائِمِ وَالسِّبَاعِ وَالطَّيْرِ، لِيَكُونَ ظَاهِرُهُ لَهْوًا لِلْخَوَاصِّ وَالعَوَامِّ، وَبَاطِنُهُ ريَاضَةً لِعُقُولِ الخَاصَّةِ. وَضَمَّنَهُ أَيْضًا مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الإِنْسَانُ مِنْ سيَاسَةِ نَفْسِهِ وَأَهْلِهِ وَخَاصَّتِهِ، وَجَميعِ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ أَمْرِ دينِهِ وَدُنْيَاهُ، وَآخِرَتِهِ وأُولَاهُ، وَيَحُضُّهُ عَلَى حُسنِ طَاعَتِه لِلمُلُوكِ وَيُجَنِّبُهُ مَا تَكُونُ مُجَانَبَتُهُ خَيْرًا لَهُ. ثُمَّ جَعَلَهُ بَاطِنًا وَظَاهِرًا كَرَسْمِ سَائِرِ الكُتُبِ الَّتِي بِرَسْمِ الحِكْمَةِ، فَصَارَ الحَيَوَانُ لَهْوًا، وَمَا يَنْطِقُ به حِكْمةً وَأَدَبًا.
فَلَمَّا ابْتَدَأَ بَيْدَبَا بِذَلِكَ جَعَلَ أَوَّلَ الكِتَابِ وَصْفَ الصَّدِيقِ، وَكَيْفَ يَكُونُ الصَّدِيقَانِ، وَكَيْفَ تُقْطَعُ المَوَدَّةُ الثَّابِتَةُ بينَهُمَا بِحِيلَةِ ذِي النَّمِيمَةِ، وَأَمَرَ تِلْمِيذَهُ أَنْ يَكُتب على لِسَانِ بَيْدَبَا مِثْلَ مَا كَانَ المَلِكُ شَرَطَهُ فِي أَنْ جَعَلَهُ لَهْوًا وَحِكَمةً، فَذَكَرَ بَيْدَبَا أَنَّ الحِكْمَةَ مَتَى دَخَلَهَا كَلَامُ النَّقَلَةِ أَفْسَدَهَا وَجُهِلَتْ حِكْمَتُهَا. فَلَمْ يَزَلْ هُوَ وَتَلْمِيْذُهُ يُعْمِلَانِ الفِكْرَ فِيْما سَأَلَهُ المَلِكُ، حَتَّى فَتَقَ لَهُمَا العَقْلُ أَنْ يَكُونَ كَلَامُهُمَا عَلَى لِسَانِ بَهِيمَتَيْنِ، فَوَقَعَ لَهُمَا مَوضِعُ اللَّهْوِ وَالهَزْلِ بِكَلَامِ البَهَائِمِ. وَكَانَتْ الحَكْمَةُ مَا نَطَقَا بِهِ. فَأَصْغَتِ الحُكَمَاءُ إِلَى حِكَمِهِ وَتَرَكُوا البَهَائِمَ وَاللَّهُوَ، وَعَلِمُوا أَنَّهَا السَّبَبُ في الَّذِى وُضِعَ لَهُمْ. وَمَالَتْ إِلَيْهِ الجُهَالُ عَجَبًا مِنْ مُحَاوَرَةِ بَهِيمَتَيْنِ، وَلَمْ يَشُكُّوا فِي ذَلِكَ، وَاتَّخَذُوهُ لَهُوًا، وَتَرَكُوا مَعْنَى الكَلَامِ أَنْ يَفْهَمُوهُ، وَلَمْ يَعْلَمُوا الغَرَضَ الَّذِي وُضِعَ لَهُ، لأنَّ الفَيْلَسُوفَ إِنَّمَا كَانَ غَرَضُهُ فِي البَابِ الأوَّلِ أنْ يُخْبِرَ عَن تَوَاصُلِ الإِخْوَانِ كَيفَ تَتَأَكَّدُ المَوَدَّةُ بَيْنَهُم عَلَى التَّحَفُّظِ مِنْ أَهْلِ السَّعَايَةِ [24] وَالتَّحَرُّزِ مِمَّنْ يُوقِعُ العَدَاوَةَ بَينَ المُتَحَابَّيْنِ، لِيَجُرَّ بِذلِكَ نَفْعًا إِلَى نَفْسِهِ. فَلَمْ يَزَلْ بَيْدَبَا وَتِلْمِيذُهُ في المُقْصُورَةِ، حَتَّى اسْتَتَمَّا عَمَلَ الكِتَابِ فِي مُدَّةٍ سَنَةٍ.
فَلَمَّا تمَّ الحَوْلُ أَنْفَذَ إِلَيْهِ المَلِكُ أَنْ قَدْ جَاءَ الوَعْدُ فَمَاذَا صَنَعْتَ؟
فَأَنْفَذَ إِلَيْهِ بَيْدَبَا: إِنِّي عَلَى مَا وَعَدْتُ المَلِكَ، فَلْيَأْمُرْنِي بِحَمْلِه، بَعْدَ أَنْ يَجْمَعَ أَهْلَ المَمْلَكَةِ لِتَكُونَ قِرَاءَتِي هَذَا الكَتَابَ بِحَضْرَتِهِمْ، فَلمَّا رَجَعَ الرَّسُولُ إِلَى المَلِكِ سُرَّ بِذَلِكَ، وَوَعَدَهُ يَوْمًا يَجْمَعُ فِيهِ أهْلَ المَمْلَكَةِ.
ثُمَّ نَادَى فِي أَقَاصِي بِلَادِ الهِنْدِ لِيَحْضُرُوا قِرَاءَةَ الكِتَابِ، فَلَمّا كَانَ ذَلِكَ اليَوْمُ، أَمَرَ المَلِكُ أَنْ يُنْصَبَ لِبَيْدَبَا سَرِيْرٌ مِثْلُ سَرِيْرِهِ، وَكَراسيُّ لأَبْنَاءِ المُلُوكِ وَالعُلَمَاءِ، وَأَنْفَذَ فَأَحْضَرَهُ، فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَامَ فَلَبِسَ الثَّيَابَ الَّتِي كَانَ يَلْبَسُها إِذَا دَخَلَ عَلَى المُلُوكِ وَهِيَ المُسُوحُ السُّودُ، وَحَمَلَ الكِتَابَ تِلْمِيذُهُ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَى الملك وثَبَ الخَلَائِقُ بِأَجْمَعِهِم، وَقَامَ الملِكُ شَاكِرًا، فَلَمَّا قَرُبَ مِنَ المَلِكِ كَفَّرَ لَهُ وَسَجَدَ، وَلَمْ يَرْفَعْ رأسَهُ.
فَقَالَ لَهُ المَلِكُ: يَا بَيْدَبَا ارْفَعَ رَأْسَكَ، فَإِنَّ هَذَا يَوْمُ هنَاءَةٍ وَفَرحٍ وسُرُورٍ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَجْلِسَ، فَحِينَ جَلَسَ لِقِرَاءَةِ الكِتَابِ، سَأَلَهُ عَنْ مَعْنَى كُلِّ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِهِ، وَإِلَى أَيِّ شَيْءٍ قَصَدَ فِيهِ. فَأَخْبَرَهُ بِغَرَضِهِ فِيهِ، وَفِي كُلِّ بَابٍ. فَازْدَادَ المَلِكُ مِنْهُ تَعَجَبًا وَسُرُورًا. فَقَالَ لَهُ: يَا بَيْدَبَا مَا عَدَوْتَ الَّذِي فِي نَفْسِي، وَهذَا الَّذِي كُنْتُ أَطْلُبُ، فَاطْلُبْ مَا شِئْتَ وَتَحَكَّمْ.
فَدَعَا لَهُ بَيْدَبَا بِالسَّعَادَةِ وَطُولِ الجَدِّ. وَقَالَ: أَيُّهَا المَلِكُ أَمَّا المالُ فَلَا حَاجَةً لي فيهِ، وَأَمَّا الكُسْوَةُ فَلَا أَخْتَارُ عَلَى لِبَاسي هذَا شَيْئًا، وَلَسْتُ أُخْلِي المَلِكَ مِنْ حَاجَةٍ.
قَالَ المَلِكُ: يَا بَيْدَبَا ما حَاجَتُكَ؟ فَكُلُّ حَاجَةٍ لَكَ قِبَلَنَا مَقْضِيَّةٌ.
قَالَ: يَأْمُرُ المَلِكُ أنْ يُدَوِّنَ كِتَابِي هُذَا كَما دَوَنَ آبَاؤُهُ وَأَجْدَادُهُ كُتبهُم، وَيَأْمُرُ بالمحافَظَةِ عَلَيْهِ، فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ بِلَادِ الهِنْدِ، فَيَتَنَاوَلَهُ أَهْلُ فَارِسَ إِذَا عَلِمُوا بِهِ، فَالمَلِكُ يَأْمُرُ أَلَّا يُخْرَجَ مِنْ بَيْتِ الحِكْمَةِ. ثم دَعَا الملكُ بِتَلامِيْذهِ وَأَحْسَنَ لَهُمُ الجَوَائِزَ.
*
ثُمَّ إِنَّهُ لَمَّاَ مَلَكَ كِسْرَى أَنُوشِرْوَانُ[25] وَكَانَ مُسْتَأْثِرًا بِالكُتُبِ وَالعِلْمِ وَالأَدَبِ والنَّظَرِ فِي أَخْبَارِ الأَوَائِلِ وَقَعَ لَهُ خَبَرُ الكِتَابِ، فَلَمْ يَقَرَّ قَرَارُهُ حَتَّى بَعَثَ بَرْزَوَيْهِ الطَّبِيبَ وَتَلَطَّفَ حَتَّى أَخْرَجَهُ مِنْ بِلَادِ الهِنْدِ فَأَقرهُ في خَزَائِنِ فَارِسَ.
[1] الإِسْكَنْدَر بن فِيْلِيب المَقْدُونِيّ الإِمبَراطُور الإِغريقِيّ 336–323 ق.م
[2] طرائق أي فِرَقاً
[3] حزائق أي قَطَعاً وجماعات وطوائف
[4] التألب أي التجمع
[5] الانكماش أي الإسراع، انكمش في الأمر أي أسرع فيه
[6] الحيوان يقصد الحياة
[7] جنس من الطيور ويقال فيها أيضاً قُبَّرة
[8] محلاً تبيض فيه
[9] جمع عقعق وهو طير أبلق بسواد وبياض
[10] أرض منخفضة
[11] سورة الشيء شدته
[12] يعني عظّم وحياه بتحية بليغة وهي الإيماء بالرأس أو السجود كما كان أهل ذاك الزمان
[13] زال عنه الخوف، وفي بعض النسخ أُفرِخ عنه روعه، وفي بعض الطبعات: أفرج عنه روعه
[14] جماع من كل شيء أي مُجتمع أصله، وكل ما اجتمع وانضم بعضه إلى بعض
[15] لا يبلى جديدها
[16] لا تنقطع
[17] في بعض النسخ: وأفضل ما استظلَّ به الانسان لسانه
[18] يعني قوتك
[19] ارعوى ارعواء يعني رجع عن الجهل وكف عن الآثام وردع نفسه
[20] شدة من الغضب أو الدهشة أو الكبر أو الفرح ونحو ذلك تسكرهم كسكرة الخمر
[21] يعني التعريض للهلاك
[22] الوكس يعني النقص الذي يكون في الديانة
[23] خاف أن يلحقه الموت الذي لا دافع له وهو لا كتاب يذكر أيامه وسيرته
[24] أهل السعاية يعني أهل الوشاية والنميمة والإفساد
[25] أَنُوَشِرْوَانُ بْنُ قُبَاذَ بْنِ فَيْرُوزَ من أباطر الإمبراطورية الفارسية السانية، وأعظم أكاسرتها ويُرف بالملك العادل، ملك نحو عام 501م حتى عام 579م وفي زمانه ولد النبي محمد ى




