من قلب المستشفى إلى القبر.. هكذا تقتل إسرائيل المدنيين في غزة

في هذه اللحظة التي أكتب فيها، شن الاحتلال الإسرائيلي هجوما على المستشفى المعمداني في غزة. هذه الحادثة المؤلمة تأتي ضمن سلسلة من الجرائم البشعة التي ارتكبها الاحتلال منذ بدء عمليته العسكرية حيث استهدف المنشآت الطبية، بما فيها المستشفيات، وقام بتحويلها إلى مواقع للمجازر.
تعرض النظام الصحي في غزة لضربات مدمرة منذ اليوم الأول للعدوان، حيث دمرت عدة مستشفيات بالكامل، ما أدى إلى تعطل الخدمات الطبية وترك المرضى يواجهون مصيرا مأساويا. في المستشفى المعمداني وحده، قتل مئات الأبرياء في لحظات، من بينهم أطفال وأفراد من الطواقم الطبية، في مشهد يجسد قسوة الاعتداء.
منذ اليوم الأول للعدوان، لم يكن النظام الصحي في غزة بعيدا عن مرمى النيران. حسب منظمة الصحة العالمية، تعرض أكثر من ثلاثين مستشفى للقصف أو الإغلاق القسري، إما بسبب الحصار الخانق أو بسبب القصف المباشر الذي دمر أقساما كاملة وأخرجها عن الخدمة. آلاف المرضى تركوا يواجهون الموت دون علاج، والكوادر الطبية أصبحت أهدافا مباشرة. في مستشفى المعمداني (الأهلي) وحده، سقط أكثر من 500 شهيد في لحظات، بينهم أطفال ونساء وطواقم طبية ونازحون احتموا بالمكان بحثا عن الأمان، ليجدوا أنفسهم في قلب المجزرة.
أما مستشفى الشفاء، أكبر مجمع طبي في القطاع، فقد عانى حصارا خانقا أعقبه قصف عنيف، وانتهى باقتحام عسكري دمر ما تبقى من قدرته على العمل. المرضى قتلوا داخل غرف العمليات، وحديثو الولادة ماتوا في الحاضنات بسبب انقطاع الكهرباء. سيارات الإسعاف، رغم وضوح علامات الهلال الأحمر عليها، تعرضت للقصف عشرات المرات، وتم استهدافها أثناء نقل المصابين، مما يؤكد أن الاستهداف كان متعمدا وممنهجا، لا يمكن تبريره بذرائع عسكرية.
رغم اختلاف الكثيرين مع حركة حماس سياسيا وأيديولوجيا، فإن ما كشفت عنه إسرائيل بعد عملية “طوفان الأقصى” في 7 أكتوبر 2023 تجاوز كل ما يمكن تخيله من انتهاكات إنسانية. لم يكن الرد الإسرائيلي مجرد عمل عسكري تقليدي، بل انزلق نحو مستوى مرعب من العنف المنهجي الذي استهدف كل أشكال الحياة في غزة، وفي مقدمتها المستشفيات والمنشآت الطبية التي تحولت إلى مسارح للموت الجماعي. في واحدة من أفظع حلقات هذا العدوان، دخلت إسرائيل التاريخ من بوابة العار، بقصفها المباشر للمراكز الصحية ومحاصرتها للطواقم الطبية ومنعها من أداء واجبها، في سلوك يرقى إلى جرائم حرب موثقة.
ما شجع إسرائيل على المضي قدما في هذا الجنون هو الدعم الأمريكي والأوروبي غير المشروط، خصوصا في ظل إدارة دونالد ترامب التي وفرت غطاء سياسيا ودبلوماسيا كاملا للاحتلال، وعطلت كل محاولات محاسبته على جرائمه. ليس ذلك فقط، بل جرى استخدام تقنيات عسكرية متطورة، بما فيها الذكاء الاصطناعي، لتحديد أهداف القصف بدقة، وهو ما يجعل هذه الجرائم أكثر بشاعة لأنها قائمة على قرارات واعية ومدروسة، لا على أخطاء عشوائية. كل ذلك تزامن مع خطاب إعلامي غربي متواطئ، تجاهل عمدا حجم المأساة، وشارك في تشويه الصورة عبر تبني رواية المحتل وتبرير المجازر.
حين يطرح السؤال الصادم: هل تجرأ حتى النظام النازي بقيادة هتلر على فعل مثل هذا؟ فإن الحقيقة، مهما كانت مؤلمة، تشير إلى أن الاحتلال الإسرائيلي تجاوز في بعض جوانب سلوكه أبشع ما عرف في الحروب الحديثة. ففي الحرب العالمية الثانية، ورغم بشاعة النازية، بقيت هناك قواعد ضمنية تحترم المنشآت الطبية إلى حد ما. أما في غزة، فقد اختلطت رائحة الكلور بالدم، وامتلأت غرف الطوارئ بجثث أطفال لم تتجاوز أعمارهم الأشهر، تحت أنظار عالم يتفرج أو يصمت أو يبرر.
النتيجة أن آلاف المدنيين، كثير منهم لم يغادروا أسرتهم في المستشفيات، انتهى بهم الأمر من غرف العلاج إلى القبور الجماعية. صور الأطفال الشهداء، الأطباء المذبوحين، الحاضنات الفارغة، والأمهات الجريحات، كلها ستبقى شواهد دامغة على أن ما حدث في غزة لم يكن حربا على “الإرهاب”، بل تطهيرا ممنهجا لقطاع بأكمله، وشعب كامل يعاقب لأنه يطالب بحقه في الحياة والحرية.
من قلب المستشفى إلى القبر، لم يكن الموت في غزة خطأ، بل قرارا عسكريا اتخذته دولة تملك جيشا حديثا، وتحظى بدعم دولي، وتعمل خارج أي قيد أخلاقي أو قانوني. ولكن، كما أن الدم لا يمحى بالتقارير الإعلامية، فإن هذه الجرائم لن تمحى من ذاكرة الإنسانية، ولن يفلت مرتكبوها من المحاسبة مهما طال الزمن.
بقلم : محمد سالم المختار الشيخ




