القطب ولد الشيخ اسلم ولد الشيخ محمد فاضل.. حي بفضائله وإن غاب جسده

بعض الرجال لا يرحلون… وإن وارتهم الأرض.
يخفت حضورهم الجسدي، لكن أرواحهم تظل سارية في الأنحاء، تبث عبير الخير، وتوقظ في القلوب شعلة الذكرى.
يبقون خالدين بأخلاقهم، بكرمهم، بصدقهم، وكأنما الحياة امتنعت أن تطويهم، ولو طواهم الموت.

ومن هؤلاء، بل في طليعتهم، كان القطب ولد الشيخ اسلم ولد الشيخ محمد فاضل، رحمه الله ورضي عنه وأعلى مقامه.
رجل إذا ذكر الكرم وقف التاريخ إجلالا، وإذا ذكرت المروءة أومأت الأجيال إلى سيرته، وإذا ذكر الصفح والرحمة، اقترن اسمه بالبشارة.

ما عرفته القلوب إلا تقيا نقيا، ولا عرفته الألسنة إلا ذا خلق كريم، ويد معطاءة، ونفس سمحة، وروح تشبه الربيع في رقتها وبهجتها.
كان، رحمه الله، عظيما في صمته، بليغا في فعله، عادلا في نظرته، وفيا في علاقاته، سخيا سخيا، حتى ليحسبه الرائي لا يبقي لنفسه شيئا.

كان يعطي كما تعطي السماء: دون سؤال، دون تأخير، دون من.
يمد يده بالخير، كأنما خلق ليفرح الناس، ليسعدهم، ليزيل همومهم، ويغنيهم.
ما جلس إليه محتاج إلا انفرجت كربته، ولا دخل عليه مكروب إلا وخرج متهلل الوجه، مطمئن القلب.
يهب المال والمنازل والسيارات والأراضي، لا يحصي، لا يحاسب، ولا يبالي… كأنما يخشى أن يسبقه أحد إلى رحمة الله.

كان يرسل الحجاج والمعتمرين بالعشرات، ويقيل عثرات الناس، ويستر المحتاجين، ويكرم الضيوف، حتى ليخجل الغريب من شدة إحسانه.
وكل ذلك بصمت النبلاء، وبسمة الكبار، دون تفاخر أو رياء.
كأنما جبل على السخاء، وسقي من نبع الجود منذ المهد.

رأيته أول مرة في المدينة المنورة، في منتصف التسعينات، وكان اللقاء عاديا في ظاهره، غير أن القلب علق به منذ اللحظة الأولى.
ثم شاء الله أن يربط بيننا نسبا ومصاهرة، فتزوج من أختي، ورزق منها ببنت طيبة مباركة، وازدادت المحبة، وتعمقت الأخوة، وتجذرت الصلة.

كان رجلا لا يشبه إلا نفسه.
في زمن كثر فيه الادعاء، كان هو الحقيقة.
وفي عالم يضج بالضوضاء، كان هو السكينة.
وفي محيط من التكلف، كان هو العفوية التي تدخل القلب بلا استئذان.

ما عرف الجدال، ولا أحب الجلبة، ولا خاض في الصغائر.
كبير النفس، عزيز الجانب، رفيع الذوق، كريم الخلق، يترفع عن المهاترات، ويأنف من الصغار، لا يستفز، ولا يجرح، ولا يحرج أحدا.

وجهه وقور، وعيناه صادقتان، وابتسامته كانت تكفي لترمم قلبا مكسورا.

كان حاتما… بل أكثر.
كان من نسل الطاهرين، وسليل النجباء، ووارثا لمجد يعانق السماء.
جمع بين الوقار والتواضع، وبين الجود والستر، وبين الحلم والهيبة.

حين رحل، اهتزت الأرواح، وجفت الحناجر، وارتبك الدعاء من شدة الحزن.
رحل من كان للضعيف سندا، وللمحتاج رجاء، وللمكسور بلسما.
رحل، لكنه بقي، فينا، معنا، في قلوبنا، في دعائنا، في دموعنا حين نذكره.

رحمك الله، يا قطب الوفاء، ويا سيد الكرماء.
يا من علمتنا أن الرجولة خلق، وأن المجد عطاء، وأن الشرف تواضع، وأن النبل أفعال لا تكتب… بل تحيا.

اللهم اجزه عن كل معروف أسداه، وعن كل يتيم ضحك بسبب عطائه، وعن كل أم دعت له في سجودها، وعن كل فقير مسح دموعه، خير الجزاء.
اللهم ارحمه عدد ما أدخل الفرح على قلوب العباد، واغفر له بقدر ما أخفى من خيرات لا يعلمها إلا أنت.
واجعله مع النبيين والصديقين والشهداء، في جنات النعيم، لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.

لن ننساك أبدا… لن ننسى قلبك الكبير، وفعلك النبيل، وسيرتك العطرة.
نم قرير العين، فقد تركت أثرا لا يمحى، وفضلا لا ينسى، ودعوات لا تنقطع.

محمد سالم المختار الشيخ

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى