غزة بين بطش الصهاينة وتقصير الأمة 😭

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:المسلم أخو المسلم؛ لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره. حديث جامع مانع، منارة يهتدي بها المؤمنون في دروب الحياة، يضع أصول الأخوة الإسلامية على قاعدة متينة من النصرة والعدل والكرامة. ولو أن الأمة جعلت هذا الحديث دستورا لها ما ضاع منها حق، ولا تفرقت بها السبل، ولا تكالبت عليها الأمم كما تتكالب اليوم.

والموضع الذي ينبغي أن نقف عنده طويلا هو قوله صلى الله عليه وسلم:لا يخذله. فهل وفينا بعهده؟ هل سطرنا موقفا يليق بهذا التوجيه العظيم؟ أين نحن من وصيته وإخواننا في غزة يبادون تحت مرأى ومسمع العالم؟ كيف يليق بمليارين مسلم أن يكتفوا بالمشاهدة والأنين، بينما تزهق الأرواح البريئة في كل لحظة، وتتحول البيوت العامرة إلى أنقاض فوق ساكنيها، وتحرق قلوب الأمهات والأطفال، وتستباح المساجد والكنائس والمستشفيات والمدارس، حتى لم يسلم الحيوان ولا الشجر ولا الحجر من آلة القتل الصهيونية؟

إن ترك أهل غزة وحدهم في مواجهة هذه الهجمة الهمجية هو عين الخذلان الذي حذرنا منه النبي صلى الله عليه وسلم. وكيف لا يكون خذلانا وقد أُطلقت عليهم أفتك الأسلحة الأمريكية، وسخرت ضدهم أقمار صناعية وأجهزة تجسس، وسمح للصهاينة أن يصبوا حقدهم الأسود على الأبرياء بلا رقيب ولا حسيب، وكأن العالم كله تواطأ على دفن صوتهم وكسر إرادتهم؟ بل كيف يعقل أن تظل الأمة التي تملأ الأرض بعددها عاجزة أمام شرذمة من القتلة اللصوص الذين لا يعرفون للإنسانية معنى ولا للدين حرمة؟

أمة المليارين اليوم تقف في مفترق الطرق. رسول الله صلى الله عليه وسلم وصف حالها منذ أربعة عشر قرنا: بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن. وهذه هي الصورة التي نراها: كثرة بلا قوة، عدد بلا أثر، أصوات متفرقة لا يجمعها موقف واحد. والسبب؟ حب الدنيا وكراهية الموت، التعلق بالزينة الزائلة والخوف من التضحية. وهكذا صارت الأمة غثاء، لا يهابها عدو ولا يحسب لها حساب.

لكن الواجب الشرعي والأخلاقي يفرض علينا أن نميز بين نصرة المظلومين والرضا عن تصرفات بعض قيادات الفصائل. نعم، يجب أن نصرخ في وجه الاحتلال ونقف مع أهلنا في غزة بكل ما أوتينا من قوة، فهذا واجب لا يسقط بحال. ولكن ذلك لا يعني أننا راضون عن سياسات قادة مثل يحيى السنوار ومن على شاكلته، الذين ورطوا شعبهم في حرب غير متكافئة، حرب كان أول المستفيدين منها هم الصهاينة أنفسهم. لقد دمر الاحتلال القطاع دمارا شبه كامل، وأعاد احتلاله من جديد، وهو اليوم يسعى جاهدا لتهجير من بقي حيا بعد أن قتل عشرات الآلاف، أكثرهم من الأطفال والنساء، فيما القيادات ترفع الشعارات ولا تجني إلا الخراب.

والأشد مرارة أن الرجل الذي جر القطاع إلى هذه الكارثة قضى جل حياته في السجون الإسرائيلية، يتكلم العبرية بطلاقة تفوق كثيرا من اليهود أنفسهم، ثم خرج ليقود أمة جريحة إلى محرقة يعلم قبل غيره أنها لن تزيد سوى من معاناة شعبه، وستفتح الباب لخطط الاحتلال في التهجير والاجتثاث. فهل هذه نصرة حقيقية للشعب الفلسطيني، أم خدمة مجانية للعدو الذي يتذرع بها ليقتل ويدمر وينفذ ما كان يخطط له منذ عقود؟

لذلك نقولها صريحة: نصرتنا لأهل غزة فريضة ربانية، وهي فوق كل الاعتبارات، لكنها ليست تفويضا أعمى لمن أساء التدبير أو استغل دماء الأبرياء ليصنع لنفسه مجدا زائفا. نحن مع المظلوم ضد الظالم، ولسنا بالضرورة مع من يزعم تمثيل المظلومين وهو يورطهم في مآس أشد.

إذا أرادت أمة المليارين أن تفي بعهد النبي صلى الله عليه وسلم وألا تخذل إخوانها، فعليها أن تنتقل من العاطفة إلى الفعل: أن تضغط على حكوماتها لقطع العلاقات الدبلوماسية والتجارية مع كل دولة تزود الصهاينة بالسلاح، أن تستخدم قوتها الاقتصادية ونفوذها السياسي لتجعل ثمن الدعم للاحتلال باهظا، وأن تعيد للأمة وحدتها حول قضية هي معيار الصدق والولاء.

فلتكن غزة نقطة تحول، لا مسرحا لخذلان جديد. وليكن شعارنا اليوم: لا خذلان بعد اليوم، لا صمت بعد اليوم. نصر صادق أو هزيمة مخزية، وأمتنا لا تستحق إلا أن تعود كما أرادها الله: شاهدة على الناس، قوية بإيمانها، منيعة بتماسكها، وفية لرسالة نبيها صلى الله عليه وسلم. “إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ”، “وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ”.

بقلم : محمد سالم المختار الشيخ

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى