بيدرو سانشيز.. الضمير الذي واجه وحشية الصهاينة وتواطؤ واشنطن

في عالم تزداد فيه خيبات الأمل، ويطغى فيه صوت الحديد والنار على أنين الضحايا، يطل رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز بيريز كاستيخون كظاهرة إنسانية نادرة، وكشهادة حية على أن الضمير لم يمت، وأن العالم – رغم كل شيء – ما زال بخير. إن مواقفه الثابتة والجريئة ليست مجرد موقف سياسي عابر، بل حدث استثنائي يعيد ترتيب ميزان القيم في أوروبا، ويضع نقطة مضيئة وسط عتمة عالم يوشك أن يستسلم للظلم والوحشية.

لقد اختار سانشيز أن يقف حيث يجب أن يقف الرجال، حيث تختبر المروءة وتعرى المبادئ. وقف إلى جانب القضية الفلسطينية العادلة، ورفض بكل صلابة آلة الإبادة الجماعية التي تنفذها إسرائيل في غزة، على مرأى ومسمع العالم، بل وبغطاء معلن من الإدارة الأمريكية. لقد كان موقفه صرخة إنسانية مدوية في وجه الصمت الأوروبي المريب، وكسرا لجدار العجز والخوف الذي أحاط بالمؤسسات الدولية وحولها إلى كيانات شكلية بلا روح ولا أثر.

في غزة، لم تبق آلة الحرب الصهيونية شيئا على حاله: أطفال تسحق أجسادهم تحت ركام البيوت، نساء يمزقن أشلاء بالصواريخ، شيوخ يقتلون جوعا وعطشا وقهرا، وأرض تحرق بالحقد والكراهية. إنها حرب وحشية غير مسبوقة لم يسلم منها لا الحجر ولا الشجر ولا الطير ولا الحيوان، جريمة إبادة تنفذ بأسلحة أمريكية متطورة، “ذكية وغبية”، ولكنها جميعا موجهة لقتل الأبرياء وتدمير الحياة.

وفي حين انكشفت واشنطن عن وجهها الحقيقي، شريكة في الدم والجريمة، ومجردة من أي قيمة أخلاقية، جاء صوت بيدرو سانشيز مختلفا، صادقا، مشرفا. لقد أثبت أن أمريكا التي كانت تقدم نفسها كقوة عظمى حامية للضعفاء سقطت أخلاقيا سقوطا مدويا، وأن عظمة الدول لا تقاس بقوة جيوشها ولا بترسانة سلاحها، بل بمواقفها من القضايا العادلة ومكانها من معسكر الحق أو الباطل.

إن بيدرو سانشيز لم يكن مجرد رئيس وزراء عبر عن موقف دبلوماسي، بل كان رجلا استثنائيا في زمن قل فيه الرجال. رجلا لم يخش في الحق لومة لائم، ولم يساوم على إنسانيته، ولم ينحن أمام جبروت واشنطن ولا أمام تهديدات اللوبيات الصهيونية التي أرعبت غيره من قادة أوروبا. لقد جسد مقولة أن السياسة ليست فقط لعبة مصالح باردة، بل يمكن أن تكون أيضا صوت الضمير الإنساني حين يسقط الآخرون في وحل الخنوع والتبعية.

وبقدر ما كشفت حرب غزة عن الوجه الدموي البشع لنتنياهو وعصابته من بن غفير وسموتريتش وغيرهم من رموز التطرف، بقدر ما كشفت لنا وجها آخر مضيئا قوامه المسؤولية والشجاعة والعدالة، وجسده سانشيز خير تجسيد. لقد أعاد إلينا شيئا من الثقة المفقودة، وأثبت أن هناك من ما زال يؤمن بالحرية والحق والعدالة، وأن العالم لم ينقرض من الرجال الصادقين.

إن إسبانيا اليوم بفضل هذا الموقف لم تعد مجرد دولة أوروبية تقف على هامش الأحداث، بل صارت ضميرا إنسانيا ناطقا باسم الحق، وصوتا صريحا للعدل في زمن ساد فيه التزييف والازدواجية. لقد ارتقت بموقفها من خانة “المتابع” إلى خانة “الفاعل”، ومن دولة عادية إلى رمز أخلاقي عالمي يليق بأن يحتذى.

وختاما، ستكتب كتب التاريخ أن غزة كانت تذبح، وأن الأبرياء كانوا يبادون، وأن قوى الشر العالمية صمتت أو تواطأت، لكن ستكتب أيضا أن رجلا اسمه بيدرو سانشيز بيريز كاستيخون رفض الصمت، ورفع راية الحق، وقال كلمة إنسانية مدوية سيسمع صداها الأحرار عبر الأجيال. لقد كان وجها مشرقا للإنسانية في زمن حالك الظلام.

بقلم : محمد سالم المختار الشيخ

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى