إسرائيل ترفض الحل.. وأمريكا تعلن ولاءها بلا خجل: درس التاريخ المرّ للعرب

في قمة بيروت عام 2002، اجتمع العرب على كلمة سواء لأول مرة منذ عقود: سلام شامل مقابل انسحاب شامل. المبادرة العربية حينها لم تكن مجرد ورقة سياسية عابرة، بل كانت إعلانا تاريخيا عن استعداد الأمة العربية لوضع حد لنزيف الصراع عبر الاعتراف بإسرائيل كدولة قائمة، شريطة أن تعترف هي بفلسطين كدولة حرة ذات سيادة على حدود 1967. لقد أظهر العرب في تلك اللحظة أنهم أصحاب مشروع حضاري متزن، يؤمن بالتعايش، ويطرح على الطاولة “الحد الأدنى” من العدالة.
لكن إسرائيل لم تحتج إلى التفكير طويلا؛ إذ جاء الرد فوريا وحاسما: رفض مطلق. رفض لعودة اللاجئين، رفض للانسحاب من القدس، رفض حتى لمجرد النقاش. لأن المشروع الصهيوني لم يبن على فكرة السلام أصلا، بل على فلسفة الإقصاء والهيمنة، حيث لا مكان لشعب آخر على الأرض التي يزعمون أنها “أرض الميعاد”. ومنذ تلك اللحظة، تأكد أن إسرائيل لا ترى في السلام مصلحة، بل ترى فيه تهديدا لجوهر مشروعها.
أمريكا.. المصالح في مكان والولاء في مكان آخر
لو كان معيار السياسة هو المصلحة، لكان المنطقي أن تنحاز واشنطن إلى العرب.
فالمصالح الأمريكية مع العالم العربي والإسلامي أضعاف ما يمكن أن توفره إسرائيل:
ثروات هائلة من النفط والغاز.
أسواق بمئات الملايين من المستهلكين.
ممرات بحرية وجغرافيا استراتيجية من المحيط إلى الخليج.
عمق حضاري وديني يجعل أي علاقة مستقرة مع العرب والإسلام ذات وزن عالمي.
ومع ذلك، تصر الولايات المتحدة على الانحياز الأعمى لإسرائيل، وتتعمد تثبيت تفوقها العسكري والتكنولوجي والاقتصادي على جميع الدول العربية مجتمعة، بل وتكتب ذلك في وثائقها الرسمية باعتباره “التزاما استراتيجيا” لا يقبل المساومة. أي مفارقة هذه؟
السر أبعد من المصالح.. إنه المشروع الغربي ذاته
الحقيقة أن المسألة لا تفسر بالمنفعة المباشرة. السر يكمن في أن إسرائيل ليست مجرد “حليف”، بل قاعدة متقدمة للمشروع الغربي في قلب المنطقة العربية.
منذ سايكس – بيكو، رسمت خريطة المنطقة على أساس تفكيكها وضمان عجزها عن النهوض.
ومنذ زرع الكيان الصهيوني عام 1948، صار الدور المرسوم له واضحا: أن يكون “الخنجر” المغروس دائما في الجسد العربي.
إسرائيل لم تنشأ لتعيش في سلام، بل لتبقى أداة تهشيم لأي مشروع وحدوي أو تحرري أو تنموي عربي – إسلامي.
لذلك، تصر واشنطن على حماية التفوق الإسرائيلي. فضعف العرب وانقسامهم شرط لازم لبقاء الهيمنة الغربية. ولو قدر للعرب أن يتوحدوا اقتصاديا أو عسكريا أو حتى ثقافيا، فإن موازين القوى العالمية كلها ستتبدل.
إسرائيل ترفض لأن وجودها قائم على الرفض
من يظن أن إسرائيل سترضى يوما بحل الدولتين فهو واهم. لأنها تعرف أن القبول بدولة فلسطينية يعني الاعتراف بشعب له حقوق وأرض وهوية، وهذا نقيض لفلسفتها التي تقول: “أرض بلا شعب لشعب بلا أرض”. لهذا تواصل التوسع، الاستيطان، تهويد القدس، وقتل فكرة الدولة الفلسطينية من جذورها.
إنها ليست أزمة حدود ولا نزاع عقارات؛ إنها معركة وجود. مشروع يريد الإلغاء الكامل لشعب بأكمله، مقابل شعب آخر جاء على دبابة استعمارية وفرض نفسه بالقوة. فكيف يلتقي النقيضان على مائدة واحدة؟
أمريكا وإسرائيل.. تحالف المشروع لا تحالف المصلحة
واشنطن لا تدعم إسرائيل لأنها رابحة ماديا، بل لأنها رابحة استراتيجيا. إسرائيل بالنسبة لها هي “الشرطي” الذي يضمن استمرار السيطرة الغربية على المنطقة. هي الأداة التي تمنع العرب من امتلاك قرارهم، والتي تبقي العالم الإسلامي في حالة نزف دائم يستهلك طاقاته بعيدا عن التقدم.
ولهذا لا تخجل أمريكا حين تعلن أنها ملتزمة بالحفاظ على “التفوق النوعي لإسرائيل”. إنها رسالة صريحة بأن الهدف ليس مجرد أمن إسرائيل، بل إدامة ضعف العرب والمسلمين، حتى يبقوا تابعين للغرب، عاجزين عن استعادة دورهم التاريخي.
الحقيقة المرة.. والدرس التاريخي
هكذا نفهم سر الرفض الإسرائيلي للمبادرات، وسر الانحياز الأمريكي غير المبرر. إنها ليست لعبة مصالح آنية، بل جزء من هندسة تاريخية تريد للمنطقة أن تبقى ساحة صراع دائم.
لكن الدرس أوضح من أن يتجاهل: حين يتنازل أصحاب الحق عن قوتهم، يكتب غيرهم مستقبلهم.
وإذا كان العرب قد عرضوا السلام وواجهوا الرفض، وإذا كانت أمريكا تكشف ولاءها بلا خجل، فإن الطريق لا يبقى مفتوحا إلا لخيارات الشعوب التي تؤمن أن الحقوق لا تسترد إلا بالقوة، وأن التوازن لا يفرض إلا حين يمتلك الطرف المظلوم أدوات الردع والقرار.
بقلم: محمد سالم المختار الشيخ




