حين تقف الكرامة على الأبواب/مرزوق بن علي الزهراني 🇸🇦
ليس كل جرحٍ يُرى، ولا كل ألمٍ يترك أثرًا على الجسد؛ فثمّة جراحٌ تستقر في أعماق النفس، لا يلحظها الناس، لكنها تظل تنبض في الذاكرة كلما مرّت الأيام. ومن أشد تلك الجراح أن تمتد يد الكريم إلى من ظنه أهلًا للمروءة، ثم تعود خالية، لا لأن الحاجة استعصت، بل لأن الإنسان هان في عين من أحسن به الظن.
وقد سُئلت امرأةٌ من أهل المدينة في زمن السلف عن الجرح الذي لا يندمل، فقالت: «حاجة الكريم إلى اللئيم ثم يرده.» فقيل لها: فما الذل؟ فقالت: «وقوف الشريف على باب الدنيء فلا يؤذن له.»
ولعلها لم تكن تصف حادثةً بعينها، وإنما كانت تختزل تجربةً إنسانيةً تتكرر في كل زمان ومكان. فالذل ليس في الفقر، ولا في قلة الحيلة، ولا في ضيق ذات اليد، وإنما في أن تضطر الكرامة إلى الوقوف على بابٍ لا يعرف قيمة الكرامة، وأن يكون جزاء الرجاء تجاهلًا، وثمن الكلمة الطيبة أكبر من أن يُدفع.
ولا مندوحة من القول إن كثيرًا من الناس يحصرون معنى الحاجة في المال، وهذا من ضيق الفهم؛ فالحاجات الإنسانية أوسع من أن تُختزل في درهمٍ أو دينار. فقد يحتاج المرء إلى كلمة، أو إلى مشورة، أو إلى معلومة، أو إلى شفاعة، أو إلى تعريف، أو إلى إذنٍ بلقاء، أو إلى دقائق معدودة من وقت إنسان يملك الإجابة. وربما كانت هذه الحاجات في بعض الأحوال أعظم أثرًا من المال؛ لأن المال قد يُعوَّض، أما انكسار الخاطر فلا يُشترى له جبر.
ومن هنا، فإن الحكمة لا تدعو الإنسان إلى الاستغناء عن الناس مطلقًا، ولا إلى ترك سؤالهم عند الحاجة، فقد جعل الله قضاء حوائج الخلق من أجلِّ القربات وأعظم أبواب الإحسان. وإنما تشير إلى أن بعض النفوس، إذا أُعطيت سلطةً أو مُكِّنت من منصب، توهمت أن الهيبة تُصنع بإذلال الناس، وأن الرفعة تكون بتأخيرهم على الأبواب، أو بتجاهل رسائلهم، أو بتركهم معلقين بين الرجاء والانتظار.
بل إن من تأمل سير العظماء وجد أن رفعة الأخلاق كانت تسبق رفعة المناصب، وأن الكبار حقًا هم الذين كانوا يبادرون إلى رد السلام، ويجيبون السائل، ويعتذرون عند العجز، ويجبرون الخواطر قبل أن يقضوا الحاجات. فالكلمة الطيبة لا تُنقص من الهيبة، والاعتذار الكريم لا ينتقص من المكانة، وحسن الاستقبال لا يضعف السلطة، وإنما يزيد صاحبه رفعةً في قلوب الناس قبل أن يرفعه عند الله.
ومن دروس الحياة أن الإنسان كلما اتسعت تجاربه، قلّ تعلُّقه بالناس، وعظم يقينه بالله. فمن جعل رجاءه معلقًا بالبشر كثرت خيباته، ومن علّق قلبه بالله علم أن القلوب بيده سبحانه، وأن الأبواب كلها لا تُفتح ولا تُغلق إلا بإذنه، وأن ما كتبه الله للعبد سيأتيه ولو اجتمعت الدنيا على منعه.
وتأسيسًا على ذلك، فإن من أعظم ما ينبغي أن يتعلمه الإنسان ألا يجعل كرامته رهينةً لأحد، وألا يبالغ في تعليق آماله على الناس، مع بقاء حسن الظن بهم والإحسان إليهم. فليس كل من جلس على كرسيٍّ عظيمًا، ولا كل من مُنح سلطةً مُنح معها حسن الخلق، ولا كل من ارتفع منصبه ارتفعت مروءته، وإنما العظمة الحقيقية في تواضع صاحبها، وسرعة إجابته، وشعوره بأن الناس أمانةٌ في عنقه لا وسيلةٌ لإظهار نفوذه.
ولعل خير ما يختصر هذه المعاني قول الشاعر:
قد ماتَ قومٌ وما ماتتْ فضائلُهم
وعاشَ قومٌ وهم في الناسِ أمواتُ




