البيانات الجوفاء.. إذلال للأمة وغطاء لجرائم إسرائيل

منذ أكثر من سبعة عقود، والعالم العربي والإسلامي يغرق في بحر من البيانات الرنانة: شجب، استنكار، رفض، تنديد، إنكار، دعوة إلى الشرعية الدولية… حتى صارت هذه المفردات محفوظة في الذاكرة الجمعية أكثر من أسماء المدن والقرى الفلسطينية التي تمحى يوما بعد يوم من على الخريطة. بيانات تخرج من مؤتمرات، أو مؤتمرات صحفية عاجلة، أو اجتماعات طارئة، ثم لا تلبث أن تتبخر في الهواء وكأنها لم تكتب ولم تتلى.
وهنا يفرض نفسه سؤال جوهري: هل تتوهم هذه الدول التي أدمنت الشعارات أن لإسرائيل أو لأمريكا وزنا أو اعتبارا لمثل هذه الكلمات؟ ألم ير هؤلاء أن تل أبيب، ومن ورائها واشنطن، قد وضعت كل هذه البيانات في سلة المهملات منذ زمن بعيد، وأنها لم تفعل سوى أن جعلت إسرائيل أكثر جرأة، وأكثر وحشية في القتل والتدمير؟
لنستعرض بعض الأمثلة التي تكشف عبثية هذا النهج:
حين قصفت إسرائيل مستشفى المعمداني في غزة عام 2023، وسقط مئات الضحايا في دقائق معدودة، لم نسمع إلا بيانات التنديد المعتادة التي لم توقف مجزرة أخرى بعدها بساعات.
حين اغتالت قوات الاحتلال الصحفية شيرين أبو عاقلة أمام عدسات الكاميرات، اكتفت العواصم العربية والإسلامية ببيانات أسى وشجب لم تمنع الاحتلال من مواصلة قتل الصحفيين وتكميم الأصوات.
عندما اقتحمت قوات الاحتلال المسجد الأقصى عشرات المرات، ودنست باحاته واعتدت على المصلين في شهر رمضان، لم ترتق ردود الأفعال الرسمية عن مستوى الاستنكار، بينما كان الاحتلال يبتسم ساخرا ويمضي في مخططاته.
وعندما ارتكبت إسرائيل مذابح في جنين ونابلس وخان يونس، لم يتجاوز رد بعض الأنظمة سوى كلمات مكرورة عن “القلق” و”الدعوة إلى ضبط النفس”، وكأن الضحية والمحتل سواء.
والأنكى من ذلك أن بعض الدول التي ترفع عقيرتها بالشجب والتنديد، هي نفسها دول مطبعة مع الكيان أو ماضية بخطى متسارعة نحو التطبيع، في مشهد لا يخلو من النفاق والمهانة. فكيف يستساغ أن يصدر بيان “غاضب” من يد تمتد في الوقت ذاته لمصافحة الجلاد وتوقيع الاتفاقيات معه، بل وفتح الأجواء والأسواق أمامه؟
لقد آن الأوان أن تدرك هذه الدول أن البيانات الجوفاء لم تعد تجدي شيئا، بل صارت عبئا يثقل كرامة الأمة. آن لها أن تفهم أن إسرائيل لا تعترف إلا بلغة واحدة: لغة القوة. القوة وحدها. وأن مشروعها لم يتوقف عند ما اغتصبته اليوم، بل يمتد إلى ما يسمونه “إسرائيل الكبرى”، حيث الطموح يتجاوز كل خرائط الواقع والشرعية.
فما المطلوب إذن؟
المطلوب أن تتحول المواقف من حبر على ورق إلى أفعال على الأرض.
المطلوب وقف كل أشكال التطبيع، وسحب السفراء، وإغلاق أبواب العار أمام العدو.
المطلوب تحريك أوراق الضغط الاقتصادي والسياسي والإعلامي، وهي أوراق تملكها الأمة لكنها تأبى أن تستخدمها.
المطلوب دعم المقاومة بكل الوسائل الممكنة، فهي وحدها التي أثبتت أن الاحتلال يمكن أن ينزف، ويمكن أن يتراجع.
المطلوب أن تعاد صياغة العلاقة مع العالم على قاعدة المصالح المتبادلة، لا على قاعدة الاستجداء للشرعية الدولية التي أثبتت أنها مجرد كذبة كبرى تدار من واشنطن وتل أبيب.
إن شرف الأمة لا يصان بالبيانات، وإنما يصان بالفعل، بالفعل فقط. ومن لا يملك شجاعة الفعل، فليصمت، فصمته أشرف ألف مرة من بيان يضيف جرحا جديدا إلى كرامة هذه الأمة الجريحة.
بقلم: محمد سالم المختار الشيخ




