من المسؤول عن دفن الشغف في دهاليز المؤسسات؟

في دهاليز المؤسسات، حيث تترنّح القيم بين طاولات الاجتماعات الباردة وتقارير الأداء الجوفاء، يبرز التهميش الوظيفي كأنياب خفيّة تنهش ببطء لا صوت له… الموظفُ، ذاك الكائن الحيّ المكدود، يتحول شيئًا فشيئًا إلى ظلٍّ يمرُّ أمام المدير كما تمرُّ نسمةٌ في صحراء، لا توقظ ورقة، ولا تثير التفاتة.
نحن لا نتحدث هنا عن خطأ عرضي، بل عن مؤسسات بأكملها اختارت أن تصمّ آذانها، لا عن جهل، بل عن تعالٍ ناعم، يشبه لُطفَ من يُغرقك بابتسامة. التهميش، يا سادة، ليس فقط أن تُستبعد من مشروع، بل أن تُصبح غير مرئيّ، حتى وأنت تجلس في الصف الأول. أن تُحيِّي مديرك كل صباح، فينظر إليك وكأنك مُلحقٌ بالكرسي لا أكثر.
ويا للعجب! تراكَ تجد من يُجادلك بأن “الكلّ سواسية”، بينما يوزّع الامتيازات كمن يُطعم طيورًا في حضرته، ثم يتساءل ببراءة: لماذا لا تهاجر الطيور؟
يا هذا! الطيور لا تهاجر فقط بحثًا عن دفء، بل هربًا من صقيع العدل المُزيّف.
في بعض إداراتنا، أصبحت الكفاءة تُقاس بمدى الانحناء، لا بالإنجاز، وبات الموظف المتميز مشروع تهديد، لا مشروع نجاح. المدير الذي يخشى نجومية موظفيه، أشبه بقائد أوركسترا يحطم الكمان لأنه يعزف أفضل منه. فويلٌ للمؤسسة التي تضع جوقة الأنا على منصة القيادة، ثم تتساءل: لماذا النشاز؟
وما أدراك ما النشاز! هو عندما يُمنَح “المُتأنق في الثرثرة” ترقيات، بينما يُركن “المنجز الصامت” في الزاوية، يُراقب من بعيد، كأنه جمهور في عرض هو بطلُه الحقيقي.
لكن لا بأس، فقد قالوا قديماً: “لا يُكرم المرء في قومه.” ويبدو أن القوم قد اجتهدوا في هذا المثل وأتقنوه إتقانًا يحسدهم عليه أساتذة التهميش في عصر العباسيين!
بلغة العلم، فإن تجاهل قدرات الموظفين لا يمرّ مرور الكرام. تشير الدراسات إلى أن بيئة العمل غير الصحية ترفع مستويات الكورتيزول (هرمون التوتر) وكأن المؤسسة قررت أن تصنع من موظفيها فئران تجارب في مختبر الضغط النفسي. وما النتيجة؟ تدهور الأداء، احتراق وظيفي، مغادرة المواهب، ثم تخرج الإدارة لتقول: “نحن بحاجة إلى خطة تحول مؤسسي!”
عجبًا، كيف تتحول سفينة مثقوبة إلا إلى قاع البحر؟!
وفي لحظة من “فلسفة القهوة الصباحية”، يتساءل الموظف المهمّش: “هل أستقيل؟ أم أبقى وأحارب؟” ثم يرتشف قهوته، ويبتسم نصف ابتسامة كأنها هدية مهذبة وصلته من مخزن خيبات الأمل.
إن التهميش ليس فعلاً بسيطًا ولا عابرًا، بل هو عملية اغتيال بطيئة معرسين الإصرار والترصد للروح العاملة. الموظف المهمّش ليس ضعيفًا، بل غالبًا قويّ بما يكفي ليصمت. لكن الصمت، وإن طال، لا يعني الرضا. فالأرض الصلبة لا تنبت، لكنها تنفجر حين يطول القهر.
ومما يثير الضحك الممزوج بالمرارة، أن بعض الإدارات ترى أن الحل لكل شيء هو “ورشة عمل عن بيئة العمل الإيجابية”، مع كوب قهوة وابتسامة بلاستيكية، وكأنهم يقولون: “ها قد فعلنا ما علينا. لماذا لا تفرح؟”
لكن، دعونا نكون منصفين. ليس كل مدير ظالمًا، بل بعضهم تائه، وبعضهم مفعول به، وبعضهم يعتقد فعلاً أن التهميش هو جزء من استراتيجية “خلق التحدي”. هؤلاء يحتاجون إلى مرشد نفسي ومهني… بل وربما إلى رحلة فضائية داخل عقولهم التي نسيت أن الإنسان، قبل أن يكون موظفًا، هو كائن يشعر، ويغضب، ويحلم.
أيها المدير، ويا مَن ترفع الراية فوق مكتبك: إن لم تكن قادرًا على أن ترى الذهب في موظفيك، فلا تلُمهم إن غادروك حين يجدون من يقدّر بريقهم. ولتعلم أن أعظم القادة ليسوا اولئك الذين يُصدرون الأوامر، بل انهم اولئك الذين يزرعون الإلهام، ويجعلون كل موظف يشعر بأنه نجمٌ في مكانه، لا مجرد كوكب يدور حول شمس الإدارة.
وتأسيساً على ما سبق،يتضح لنا بإن التهميش جريمة ناعمة، لا صوت لها، لكنها تسرق من المؤسسات أعظم ما تملك: الإنسان.
فهل آنَ أوانُ الصحوة؟ أم لا يزال القوم يكتبون “الولاء المؤسسي” بالحبر السري.
بقلم: مرزوق بن علي الزهراني




