للمرة الألف.. أمريكا وإسرائيل في واد والعهد والوفاء في واد آخر

للمرة الألف، وربما للألف القادمة أيضا، أقولها بملء اليقين: أمريكا وإسرائيل في واد، والعهد والوفاء في واد آخر. لا جديد تحت شمس الخداع، فالمشهد يعيد نفسه كأن التاريخ يدور في دائرة مغلقة؛ اتفاقات توقع تحت عدسات الكاميرات، وابتسامات مصطنعة على وجوه تعرف جيدا أنها تمضي نحو خيانة جديدة. واليوم، حين نقضت إسرائيل اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، الذي أشرف عليه دونالد ترامب شخصيا بمشاركة عدد من قادة العالم، لم يفاجأ أحد سوى أولئك الذين ما زالوا يؤمنون بوهم “الوساطة الأمريكية” و”الضمانات الدولية”. أما نحن، الذين خبرنا الوجوه والأقنعة، فقد عرفنا أن نهاية الاتفاق ستكون نسخة طبق الأصل من بدايته: كذبة ملونة بعبارات الدبلوماسية.

إسرائيل… دولة تحارب بالعهد وتنتصر بالغدر

من يقرأ سجل إسرائيل السياسي والعسكري منذ نشأتها، يدرك أن نقض العهود جزء من عقيدتها، لا مجرد سلوك طارئ. كل اتفاق سلام كان بالنسبة لها جسرا مؤقتا لعبور مرحلة ضعف، أو فرصة لإعادة ترتيب صفوفها واستعادة أنفاسها قبل حرب جديدة. من اتفاقية الهدنة بعد نكبة 1948، إلى كامب ديفيد وأوسلو ووادي عربة، كان التاريخ شاهدا على أن إسرائيل لا تؤمن إلا بمنطق القوة، ولا تلتزم إلا بما يحقق مصلحتها اللحظية. حتى في لحظات الضعف، حين تلوح بغصن الزيتون، يكون في يدها الأخرى حجر الغدر وسيف العدوان.

فمن القدس التي تم تهويدها حجرا حجرا رغم كل المواثيق، إلى الضفة الغربية التي تحولت إلى جزر محاصرة بالمستوطنات، إلى لبنان وسوريا وإيران التي لم تسلم من القصف والاغتيال، مارست إسرائيل دور “العدو الذي لا ينام”، واستباحت كل حرمة تحت شعار “الدفاع عن النفس”. فكيف ينتظر من مثل هذا الكيان أن يفي بوعد أو يحترم اتفاقا؟

نتنياهو… وجه الغطرسة والدم

أما بنيامين نتنياهو، فليس سوى تجسيد حي لهذه العقيدة الإسرائيلية القائمة على الغدر والدم. هذا الرجل لم يعرف يوما معنى السلام، بل جعل من الحرب مهنته ومن الدم الفلسطيني سلم مجده السياسي. كلما اهتز كرسيه في الداخل، لجأ إلى العدوان في الخارج ليسكت الأصوات ويستدر عطف الشارع الإسرائيلي بخطاب “الأمن والانتقام”.

فهل ننتظر من رجل كهذا أن يلتزم بمواثيق؟ أم من حكومة تبنى على التطرف أن تصنع سلاما؟ إن نتنياهو لا يعرف من التفاوض إلا ما يخدم غروره، ولا يرى في “وقف إطلاق النار” إلا استراحة لاستكمال القتل بأدق تخطيط.

أمريكا… الراعي الذي يذبح باسم السلام

ولئن كانت إسرائيل تتقن الغدر، فإن أمريكا تتقن التجميل السياسي لذلك الغدر. فمنذ سبعة عقود، لم تلعب دور الوسيط النزيه يوما، بل كانت دائما الشريك الخفي الذي يكتب النص ويخرج المشهد. تتبدل الوجوه في البيت الأبيض، لكن السياسة تبقى كما هي: انحياز مطلق لإسرائيل، وعداء صريح لكل ما هو فلسطيني.

دونالد ترامب ليس استثناء في هذا السياق؛ إنه مجرد حلقة في سلسلة طويلة من النفاق الأمريكي. هو الذي منح القدس للمحتل كأنها ملكية خاصة، وأوقف دعم الأونروا ليجعل اللاجئين عرضة للجوع، وشرعن الاستيطان بقرارات وقحة خالفت كل الأعراف. ثم يأتي اليوم ليحدثنا عن “وقف الحرب” و”الإنسانية”! أي إنسانية هذه التي تقاس بمصالح الشركات العسكرية الأمريكية؟ وأي سلام يرسم بمداد الدم والصفقات؟

الهدنة المزيفة… فخ في ثوب رحمة

من يظن أن إسرائيل تريد السلام فهو لم يفهم بعد معادلة الشرق الأوسط. فالتهدئة بالنسبة لتل أبيب ليست نهاية حرب، بل مقدمة لحرب أشد قسوة. والهدنة ليست رحمة، بل فخ سياسي محبوك بعناية لامتصاص الضغط الدولي وإعادة ترتيب المشهد الميداني.

حماس كانت تمسك بورقة الأسرى، وهي الورقة الوحيدة التي تمنحها القدرة على التفاوض، لكن إسرائيل وأمريكا لن تترددا لحظة في العودة إلى الحرب حالما تحقق غايتهما. فالمحتل الذي دمر البيوت فوق رؤوس ساكنيها، وحاصر المستشفيات والمدارس، لا يعرف معنى “وقف إطلاق النار”. يعرف فقط “وقف النار حين تنفد الذخيرة”، و”بدءها من جديد حين يعيد تعبئة خزائنه”.

من أوسلو إلى غزة… خديعة واحدة تتكرر

إن تاريخ المفاوضات مع إسرائيل سلسلة طويلة من الوعود المنقوضة. وقعت اتفاق أوسلو لتغتال قادته لاحقا، ووقعت اتفاق السلام مع مصر لتجعل من سيناء منطقة عازلة تحت رقابتها، ووقعت تفاهمات مع لبنان ثم واصلت انتهاك الأجواء. أينما وجد توقيع إسرائيلي، وجد بعده خرق إسرائيلي.

وما يجري اليوم في غزة ليس سوى امتداد طبيعي لذلك النهج؛ فالاتفاق الأخير لم يولد إلا ليستخدم. كل كلمة فيه مشروطة، وكل بند فيه قابل للتفسير الإسرائيلي المتعمد للغموض. إنها سياسة واحدة منذ قيام الكيان: أن تفاوض بيد، وتضغط على الزناد بالأخرى.

وعي الشعوب… الحصن الأخير

لكن رغم كل هذا، لم تهزم الحقيقة، ولم تطفأ شعلة الوعي. فقد أدركت الشعوب، لا الحكومات، أن الرهان على أمريكا وإسرائيل خاسر مهما طال الزمن. أدركت أن القضية الفلسطينية لا تحتاج إلى وسطاء بل إلى صمود أصيل وإرادة لا تلين. فمن رحم غزة، التي تقصف كل يوم وتنهض كل يوم، تولد رسالة تقول للعالم: “لا سلام فوق أنقاض العدالة، ولا هدنة تكتب بمداد الدم”.

كل ما تحقق للفلسطينيين لم يأت من وعود البيت الأبيض، بل من صبر الأمهات في المخيمات، ومن الحجارة التي وقفت في وجه الدبابات، ومن جيل تربى على أن الشهادة ليست نهاية، بل بداية الطريق نحو الكرامة.

 الخاتمة: بين وادي الخداع ووادي الوفاء

ولذلك، أقولها من جديد، للمرة الألف وربما للمرة الأخيرة قبل أن يفهم العالم:أمريكا وإسرائيل في واد، والعهد والوفاء في واد آخر. بين الواديين تمتد أنهار من دماء الفلسطينيين، وصرخات الأطفال، ودموع الأمهات، وخرائط ترسم على جماجم الأبرياء.

أما نحن، فخيارنا واضح: أن نقف في وادي الوفاء مهما اشتدت الرياح، لأن من خان مرة سيخون ألف مرة، ومن باع قدسية القدس لن يشتري كرامة غزة. والتاريخ – كما كان دائما – سيسجل من وقف مع العدالة، ومن اصطف مع الجريمة.

بقلم : محمد سالم المختار الشيخ

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى